موانئ دبي العالمية: شمس الاستثمار في مجاهل إفريقيا


صهيب عبدالرحمن

كاتب وصحافي صومالي

مقالات الكاتب

تعد شركة موانئ دبي العالمية من أكبر مشغلي المحطات البحرية في العالم، حيث تتولى تشغيل أكثر من 78 ميناء ومحطة بحرية تتوزع على قارات العالم الست، على رأسها ميناء جبل علي الذي يعد أكبر ميناء بحري في منطقة الشرق الأوسط، والذي اختير بالتصويت كأفضل ميناء بحري في المنطقة على مدى عشرين عاماً متتالية.
وتمتد محفظة أعمال الشركة من الأمريكيتين إلى آسيا. وفي العقد الأخير برزت القارة الأفريقية كمحور تركيز إستراتيجي نشطٍ للشركة، بإعتبارها سوقاً واعدة، وفيها مجالات استثمارات واسعة وفرصة لتواجد الإمارات في القرن الأفريقي ودول القارة بشكل عام.

ويؤكد ذلك سلطان أحمد بن سليم، رئيس “موانئ دبي العالمية” الذي عبّر مراراً عن تطلّع شركته: “إلى الأسواق الأفريقية الناشئة لدعم تعافي التجارة العالمية”. وتولي الشركة، من خلال تبني المقاربة المرتكزة على الشراكة، اهتماماً خاصاً لتعزيز العلاقات الثنائية، وتقديم مستوى متفوق من الخدمة بفعل الخبرات التي راكمتها على مدى العقود الماضية، وعلى رأس المال الاستثماري الضخم.
تتواجد حالياً “موانئ دبي العالمية” في سبع دول أفريقية، إثتنان منها في شمال أفريقيا هما: مصر والجزائر وواحدة في الغرب الأفريقي هي السنغال، والكونغو الديمقراطية في وسط أفريقيا، وجيبوتي وصوماللاند بمنطقة القرن الأفريقي، وموزمبيق في جنوب القارة. ومن المتوقع أن تتوسع الشركة في القارة، تحت إطار إستراتيجية دولة الإمارات في الاستثمار في الموانئ كأحد محددات سياساتها الخارجية والاقتصادية.

جيبوتي: محكمة لندن تُقضي بسريان إتفاقية امتياز موانئ دبي
تعد جيبوتي من أوائل الموانئ التي طورتها شركة “موانئ دبي العالمية” في القارة؛ فقد أنشأت محطة حاويات دوراليه في عام 2006، وهو أكبر ميناء في شرق أفريقيا، وأكبر جهة توظيف في داخل جيبوتي، حيث يعمل به حالياً ما يقرب من 1000 موظف، معظمهم من مواطني جيبوتي، علماً بأنّ قطاع النقل يمثل نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي لجيبوتي.
يقع دوراليه على بعد 5 كيلومترات من العاصمة جيبوتي باتجاه غربي المدينة، ويضمّ ثلاثة أرصفة واسعة تبلغ 1.2 مليون وحدة. وبموجب اتفاق الامتياز حصلت حكومة جيبوتي على حصة تبلغ 67 في المئة، بينما حصلت موانئ دبي العالمية على 33 في المئة من المشروع.
لكن في عام 2014، ظهر خلاف بين الرئيس الجيبوتي إسماعيل غيله وبين عبد الرحمن بوريه رئيس موانئ جيبوتي آنذاك، وقدمت جيبوتي دعوى قضائية ضد بوريه، تزعم فيه أنّ شركة موانئ دبي دفعت رشاوى بشكل غير شرعي في عام 2006 لضمان حقوق إدارة ميناء الحاويات. لكن المحكمة التجارية البريطانية في لندن أسقطت جميع اتهامات جيبوتي ضد بوريه في آذار (مارس) من عام 2016. وحكمت المحكمة في قرارها النهائي الجزئي بدفع جيبوتي تكاليف التحكيم لشركة موانئ دبي ولبوريه.
وفي شباط (فبراير) الماضي، ألغت سلطات جيبوتي بشكل مفاجئ عقد موانئ دبي العالمية لإدارة محطة “دوراليه”. واعتبرت شركة موانئ دبي العالمية أنّ التحرك للسيطرة على الميناء غير قانوني، واصفة إياه بانتهاك “تعسفي” لاتفاقية سارية المفعول بموجب اتفاق الامتياز.
وبدأت شركة “موانئ دبي العالمية” معركة قضائية مع جيبوتي، وأكدت أنها لن تنظر في خيارات بديلة خارج تسوية المحكمة في نزاعها مع حكومة جيبوتي حول محطة حاويات دورالي.
كما أصدرت الشركة في شهر حزيران (يونيو) الماضي بياناً بمناسبة افتتاح المرحلة الأولى من منطقة التجارة الحرة الدولية التي أنشأتها الصين في جيبوتي، أكدت الشركة فيه مجدداً تمسكها بحقوق إدارتها الحصرية للميناء بموجب الاتفاقية الموقعة مع حكومة جيبوتي. وأعربت الشركة عن أنها تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات القانونية المتاحة، بما في ذلك المطالبات بالتعويض عن أي طرف ثالث يتدخل أو ينتهك حقوقها التعاقدية.
الخميس الماضي، الثاني من الشهر الجاري، ذكرت حكومة دبي أنّ محكمة لندن للتحكيم الدولي (LCIA) قضت بأنّ عقد محطة حاويات ميناء دبي العالمية في جيبوتي ما يزال “صالحاً وملزماً”.
وقال المكتب الإعلامي الحكومي في دبي في بيانه، “إنّ محكمة لندن للتحكيم الدولي قضت بأنّ اتفاقية امتياز محطة حاويات دورالي” سارية المفعول”، وعلق هذا الشأن أوليفييه ميلاند، المحلل البارز في شركة الاستشارات حول المخاطر Allan & Associates، بأنّ قرار المحكمة قد يهدد قدرة جيبوتي على جذب الاستثمارات الأجنبية في المستقبل.
وأضاف: “فشل البلد المضيف في احترام الاتفاقيات الموقعة مع الكيانات الأجنبية يجعل من المستثمرين الأجانب يرون أنّ استثماراتهم غير محمية قانونياً في جيبوتي، وبالتالي فمن المحتمل أن تنخفض الشهية للبلد الواقع في القرن الأفريقي”.

صوماللاند: تطوير ميناء بربرة
وفي آذار (مارس) الماضي، وقّعت موانئ دبي العالمية اتفاقية مع حكومة صومالاند المجاورة لجيبوتي، تتولى بموجبه الشركة حقّ تشغيل وإدرة ميناء بربرة، باستثمارات قدرها 442 مليون دولار أمريكي، على أن تحصل موانئ دبي العالمية على حصة قدرها 51% من الأسهم.
وتعتبر جمهورية صوماللاند دولة مستقلة منذ 28 عاماً، على الرغم من أنها لا تتمتع باعتراف دولي، إلا أنها تعمل كدولة الأمر الواقع؛ بجواز سفر وعملة وجيش ورئيس منتخب ديمقراطياً، ضمن حدود دولية مرسومة قبل حقبة التحرر من الاستعمار.
توقيع حكومة صوماللاند هذه الاتفاقية مع الشركة الإماراتية أغضب الحكومة الفيدرالية الصومالية برئاسة محمد فارماجو، الذي وصل إلى السلطة مطلع عام 2017، وتسيطر حكومته على أجزاء قليلة جداً من البلاد بسبب القضايا الأمنية التي تثيرها حركة الشباب الجهادية وقوات بعثة الاتحاد الأفريقي التي تحاربها. إلى جانب الخلافات السياسية المعقدة التي عطلت البلاد خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
برّرت الحكومة الفيدرالية رفضها الاتفاقية، بأنّ صوماللاند تدخل تحت سلطتها السيادية، ولو كان ذلك اسميّاً، وبالتالي فإنّ الصفقة غير قانونية ما لم تصادق عليها. وفي وقت لاحق أصدر البرلمان الصومالي مرسوماً يحظر موانئ دبي من العمل في البلاد، بحجة أنّ الحكومة الفيدرالية في الصومال هي الجهة الوحيدة المخولة لعقد صفقات دولية.
وسارعت كل من حكومة صوماللاند وموانئ دبي العالمية إلى الرد على هذا التصريح من جانب الحكومة الفيدرالية وبرلمانها، والذي ليس لهما من الناحية القانونية أية شرعية أو نفوذ على جمهورية صوماللاند أو في أي مكان آخر غير أجزاءٍ قليلة من مقديشو. ولا أدلّ على ذلك من أنّ الشركة باشرت أعمال التشغيل والبناء في الميناء رغم معارضة الحكومة الفيدرالية التي لا تساوي قراراتها أكثر من حبرٍ على ورق.

موانئ دبي تحقق الاكتفاء الذاتي لجمهورية الكونغو الديمقراطية
وفي آذار (مارس) الماضي، ذهبت الشركة في العمق الأفريقي وحصلت على امتياز مدته 30 عاماً لتطوير ميناء بنانا الواقع على ساحل المحيط الأطلسي في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وستحصل “موانئ دبي العالمية” على 70% في المائة من الأسهم، في حين تحتفط حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية على 30% في المائة من المشروع. وسيبدأ البناء قبل نهاية العام الحالي على أن يتم في غضون عامين.
سعت جمهورية الكونغو الديمقراطية طويلاً إلى تطوير ميناءٍ على ساحلها البالغ طوله 37 كيلومتراً للتعامل مع سفن أكبر من تلك التي تستطيع الوصول إلى تلك الموجودة حالياً على طول نهر الكونغو، وتحديداً في ماتادي وبوما اللذين يقعان في الطريق إلى نهر الكونغو، وهما ميناءان غير قادرين على التعامل مع حركة المرور من خطوط الشحن الكبيرة؛ بسبب الافتقار إلى القدرة والمشاريع، وفقاً لدراسة أجرتها شركة برايس ووترهاوس كوبرز من البنية التحتية لجمهورية الكونغو الديمقراطية. ونتيجة لذلك، فإنّ جمهورية الكونغو الديمقراطية تعتمد على نقل الشحنات من بوينت نوار في جمهورية الكونغو المجاورة.
وفي مناسبة توقيع الاتفاقية مع موانئ دبي العالمية، قال وزير النقل في جمهورية الكونغو الديمقراطية خوسيه ماكيلا إنّ الميناء الجديد “سيحسن بشكل كبير” تكلفة وسرعة التجارة ويقلل من الاعتماد على الدول المجاورة للنقل والشحن”.

موانئ دبي في قناة السويس
مع تقدم الشركة في خططها للتوسع في القارة، وقّعت موانئ دبي العالمية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس والشركة المصرية القابضة للنقل البحري، مذكرة تفاهم لتطوير ميناء جاف بمنطقة السادس من أكتوبر المصرية “تبعد عن القاهرة 33 كم”.، وذلك في أيار (مايو) الماضي.
الميناء الجاف هو ميناء لاستقبال البضائع ولا يكون بالبحر إنما يكون على اليابسة، وتؤدي الموانئ الجافة دوراً مهماً في تنشيط حركة التجارة والصادرات. وأكّد بيانٌ صادر عن موانئ دبي العالمية بأنّ الشركة “حريصة على دعم جهود الحكومة المصرية بمشاركة الخبرات العالمية التي اكتسبتها موانئ دبي من تجربتها التنموية الناجحة”.

في الجزائر: موانئ دبي العالمية – جن جن
وفي الجزائر أيضاً، حصلت الشركة على عقد امتياز مدته 30 عاماً. وقال بيان صادر عن موانئ دبي العالمية إنّ حصولها على حقوق تشغيل المنياء ينسجم مع إستراتيجية الجزائر لتنمية ميناء جن جن، الذي أصبح اسمه الآن موانئ دبي العالمية- جن جن الذي يقع على بعد 350 كلم إلى الشرق من الجزائر العاصمة، ويشكّل الميناء، الذي يقوم حالياً بمناولة البضائع السائبة فقط، المحطة البحرية الرئيسية للمنطقة الشرقية في البلاد، وسيتمّ تطويره ليصبح مركزاً إقليمياً لإعادة الشحن في منطقة غرب المتوسط. أما ميناء الجزائر العالمي الذي يتولى أكثر من 60% من العمليات التجارية الخارجية في الجزائر، فسيتمّ تطويره أيضاً ليلبي حاجات السوق المحلي بالدرجة الأولى على اعتبار أنها ستستفيد مباشرة من خبرات فريق عمل موانئ دبي العالمية، إذ تتضمن أولويات العمل تقليص الاكتظاظ في ساحة الحاويات والتأخير الإداري في الميناء الذي أثر سلباً على القدرة التنافسية للجزائر في السنوات الأخيرة.
وأشار بيان الحكومة الجزائرية إلى أنه سيتم تطوير ميناء الجزائر العالمي والذي يقوم بمناولة أكثر من 60 بالمائة من تجارة البلاد الخارجية، بحيث يلبي احتياجات السكان الأساسية، في حين سيصبح ميناء جن جن محطة الحاويات الرئيسية للجزء الشرقي من الدولة ومحور شحن عابر لغربي المتوسط.
ويشار إلى أنّ موانئ دبي العالمية – جن جن هو عقد الامتياز الثاني في الجزائر لموانئ دبي العالمية التي تسلمت بشكل رسمي في 19 آذار (مارس) الماضي ميناء الجزائر المعروف اليوم بميناء الجزائر العالمي. وقد سبق لعدد من موظّفي ميناء الجزائر العالمي أن أتموا دورات تدريبية متقدّمة على جهاز محاكاة الروافع الجسرية في ميناء جبل علي في دبي التابع لمواني دبي العالمية، كما قاموا بتدريبات ميدانية في محطة دوراليه للحاويات في جيبوتي.

موانئ دبي في السنغال: ميناء دو فوتور تحت التطوير
وفي السنغال، شرعت موانئ دبي العالمية في بناء ميناء دو فوتور، بعد أن حصلت على عقد امتياز لثلاثين عاماً لتطوير مشروعات البنية التحتية في الدولة الواقعة في غرب أفريقيا.
بعد الانتهاء من أعمال البناء، سيضم بورت دو فوتور المتكامل منطقة اقتصادية ومنطقة لوجستية متاخمة لمطار بليز دياجني الدولي الجديد. وقال مشغّل الميناء إنّ الميناء سيوفر حركة شحن سلسة إلى الدول المجاورة غير الساحلية في القارة الأفريقية.
كما تعهدت موانئ دبي العالمية أيضاً بتقديم خطة رئيسية لإعادة تطوير ميناء داكار القديم إلى مركز رئيسي للوجستيات وبوابة. ونشرت “موانئ دبي العالمية” في وقت سابق من العام الحالي دراسة عن الأثر الاقتصادي لدورها كمشغل لمحطة حاويات داكار، مشيرة إلى أنّ 31000 مواطن سنغالي استفادوا من أنشطة تشغيل الميناء. وقالت الشركة أيضاً “إنّ أنشطة موانئ دبي العالمية أدت إلى ارتفاع يصل 40% في المائة من واردات وصادرات داكار بين عامي 2010 و 2015، مدعومة باستثمارات الشركة في البنية التحتية”.

موزمبيق: موانئ دبي تجدد تشغيلها لمحطة حاويات مابوتو
توصلت موانئ دبي العالمية إلى اتفاق مع حكومة موزمبيق لتمديد امتياز شركة موانئ دبي لميناء مابوتو حتى عام 2033، مع خيار تجديده لمدة 10 سنوات أخرى. وسيحل هذا الامتياز محل اتفاق سابق انتهت مدته وتولّت بموجبه موانئ دبي العالمية بتشغيل المحطة بين عامي 2008 و 2018.
السياسة الخارجية لدولة الإمارات ظلت علي الدوام تهتم بالقارة الأفريقية من عدة جوانب، والجديد هو توسيع نطاق العلاقات بين الإمارات وأفريقيا، وازدياد دور الإمارات في القارة الذي تكللّ بإنهاء صراعٍ مريرٍ ما بين إثيوبيا وإرتيريا. وتعد إستراتيجية الاستثمار في الموانئ خياراً ناجحاً، وهي بمثابة فتح للأبواب مع القارة الأفريقية باعتبارها قارة غير منسية، بل قارة ناهضة في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والسياحية وغيرها. وبالتالي فإنّ التحرك باتجاه أفريقيا عربياً قد آن أوانه، ولذلك مزايا اقتصادية وسياسية يمكن عديدة.

تقارير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *