لماذا تعد جيبوتي الخاسر الأكبر في توازنات القرن الإفريقي الجديدة؟


صهيب عبدالرحمن

كاتب وصحافي صومالي

مقالات الكاتب

منذ إعلان إثيوبيا في أوائل الشهر الماضي قبولها بشكل تام شروط اتفاقية سلام عام 2000 مع جارتها إريتريا، تسارعت وتيرة تطبيع العلاقات بين البلدين بشكل مفاجئ. فقد قام وفد إريتري رفيع المستوى بزيارة إلى أديس أبابا في 26 حزيران (يونيو ) وأطلق محادثات بشأن إنهاء النزاع الطويل بين البلدين. وبعد أسبوعين فقط، قام رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد بزيارة تاريخية إلى أسمرة والتقى بالرئيس الإريتري وجهاً لوجه، ليعود الأخير بعدها بأيام للقيام بزيارة مماثلة لإثيوبيا، لينهيا بذلك واحدة من أطول النزاعات الإفريقية.
تطبيع العلاقات بين البلدين سيدخل منطقة القرن الإفريقي إلى حقبة جديدة من السلام والازدهار، وسيعود بالنفع على كلا البلدين، حيث ستخرج إريتريا جزئياً من عزلتها الدولية باستئناف علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع جارتها الكبيرة إثيوبيا، كما ستحصل الأخيرة على فرصة الوصول إلى مرفأ جديد.
لكن، فيما يتعلق باللعبة الجيوستراتيجية في المنطقة، فإنّ جيبوتي المجاورة للبلدين، والتي استغلت بدهاء أراضيها المطلة على البحر الأحمر لتقديم خدمات الوصول إلى الموانئ، إلى جانب استضافتها القواعد العسكرية لللبلدان الأجنبية ستكون الخاسر الجديد في هذا التحول المفاجئ في جـيوبوليتيك القرن الإفريقي.
توازنات جديدة
في العقدين الماضيين، كانت جيبوتي الرابح الأكبر من استمرار العداء الإثيوبي الإريتري والعزلة الدولية للأخيرة. فجيبوتي التي يبلغ عدد سكانها أقل بقليل من مليون نسمة تتمتع بمزايا جغرافية وإستراتيجية فريدة من نوعها، حيث يمتد خط ساحلها على البحر الأحمر وخليج عدن، وهو نقطة تحول تمر خلالها كميات كبيرة من إمدادات الطاقة والتجارة في العالم سنوياً. ومن ناحية الموانئ ورغم أنها تتوفر في السودان، وصوماللاند، وإريتريا، فقد أثبتت مرافق جيبوتي تقدماً بفعل الاستقرار السياسي، والجو الاستثماري الذي يعد أكثر جاذبية من أي مكان آخر في المنطقة. ونتيجة لذلك، تمتعت جيبوتي باحتكار شبه تام لنقل البضائع من وإلى إثيوبيا غير الساحلية.
ولهذا، حافظت إثيوبيا وجيبوتي على علاقات سياسية واقتصادية وثيقة بدافع المصلحة المتبادلة. فمنذ أن فقدت إثيوبيا إمكانية الوصول إلى موانئ إريتريا عقب الحرب الحدودية بينهما في عام 1998، خلق ذلك أزمة وجودية لإثيوبيا غير الساحلية. ومنذ ذلك الحين، اعتمدت إثيوبيا على موانئ جيبوتي بنسبة 95% من وارداتها وصادراتها. كما تعتمد جيبوتي على إثيوبيا لاستيراد المياه العذبة والكهرباء.
وتقدر الأرباح الجيبوتية عن استخدام إثيوبيا لموانئها بقيمة تصل إلى أكثر من مليار دولار سنوياً، وهي مصدر رئيسي لإيرادات حكومة جيبوتي. لكن إثيوبيا تجد هذا الترتيب غير مريح بالنسبة لها، ولذلك تهتم بالحصول على صفقات أكثر تنوعاً للوصول إلى مرافئ جديدة. كما أنّ الولايات المتحدة غير راضية عن شراكة الرئيس الجيبوتي إسماعيل جيله. وعلى وجه التحديد، فإنّ ميله الحصول على إيجارات ضخمة من أكبر عدد ممكن من الجيوش الأجنبية، بما في ذلك السماح بقاعدة عسكرية صينية على بُعد كيلومترات فقط من القاعدة الأمريكية، انعكس سلباً علاقته علاقته مع الولايات المتحدة.
جيبوتي: أرض للإيجار!
تستضيف جيبوتي القاعدة العسكرية الوحيدة الدائمة للولايات المتحدة في القارة، وهي نطقة إنطلاق محورية للهجمات المزعومة بأنها ترمي لمكافحة الإرهاب في شرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية. ويتمركز في القاعدة حوالي 4000 عسكري أمريكي، وتستخدم لشن هجمات الطائرات بدون طيار المسلحة وعمليات الاستطلاع التي تعمل في الصومال واليمن. وكان أكد وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس أمام الكونغرس أهمية جيبوتي الإستراتيجية للبنتاغون، وكان ذلك قبل أشهر قليلة من افتتاح أول قاعدة عسكرية خارجية للصين هناك. بالإضافة إلى ذلك، فإن لدى كل من فرنسا واليابان وإسبانيا وإيطاليا والمملكة العربية السعودية قواعد ذات أحجام وقدرات مختلفة في جيبوتي.
وتصل عوائد جيبوتي من إيجار القواعد العسكرية إلى حوالي 250 مليون دولار سنوياً، ويقال إنّ الصينيين سيدفعون عن قاعدتهم الجديدة حوالي 20 مليون دولار سنوياً حتى عام 2025، ولا يشمل هذا الرقم أكثر من مليار دولار من القروض الصينية التي افتتحت جيبوتي بها منطقة تجارية حرة مؤخراً. كما يدفع الأمريكيون نحو 70 مليون دولار سنوياً لمدة ست سنوات أخرى على الأقل، ويدفع الفرنسيون 30 مليون دولار سنوياً عن تواجدهم العسكري. وتساهم هذه الأرباح كلها في تعزيز السيطرة الصارمة لإسماعيل غيله على البلد، في حين أنّ معظم سكان البلاد لا يزالون تحت خط الفقر. ويعيش ما يقرب من ربع السكان في فقر مدقع، كما تحتل جيبوتي مرتبة متدنية من ناحية الحقوق السياسية والحريات المدنية.
من جانب آخر، يمكن أن تتصاعد التوترات العالقة بين إريتريا وجيبوتي من جديد. فقد تم عسكرة الحدود الغربية لجيبوتي مع إريتريا منذ نهاية المواجهات الحدودية في عام 2008. وحاولت قطر في ذلك الحين التوسط في النزاع، و تمكنت من تسهيل تبادل الأسرى في عام 2016، قبل سحب قوات حفظ السلام التابعة لها من الحدود الإريترية – الجيبوتية احتجاجاً على تأييد الدولتين قرار المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومعهما مصر والبحرين في مقاطعة قطر في أزمة الخليج.
أخبار سيئة لإسماعيل غيله
توصل السلام بين إثيوبيا وإريتريا هي بلاريب أخبار سيئة بالنسبة لإسماعيل غيله، الذي راهن على لعب بلاده دور المنفذ البحري للإقتصاد الإثيوبي النامي. وعزّز من أواصر الصلة بين إثيوبيا وإريتريا، القمة التي احتضنتها العاصمة الإماراتية أبوظبي، حيث عقد ولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد، اجتماعاً مع رئيس وزراء إثيوبيا، آبي أحمد، والرئيس الإريتري، إسياس أفورقي، في قمة ثلاثية أكدت خلالها أبوظبي دعمها “كل جهد يستهدف تحقيق السلام”.
وفي حال عودة العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا سيكون لدى إثيوبيا خيار استخدام المرافئ الإريترية القريبة والأكثر ملاءمة من جيبوتي. ومن غير المحتمل أن تتوقف إثيوبيا عن استخدام موانئ جيبوتي فوراً، ويعود ذلك بسبب حتمية تسديد إثيوبيا ما يقرب من 3 مليار دولار من القروض الصينية في خط السكك الحديدية الذي افتتح حديثاً لربط إثيوبيا بجيبوتي.
وفي تسريب لمذكرة دبلوماسية نشرته بعض المواقع الإخبارية، عبر وزير الخارجية الجيبوتي عن قلق بلاده عن التقارب السريع بين إريتريا وجيبوتي. وتم إرسال المذكرة التي تتكون من ست صفحات تحت عنوان “تطور العلاقات الإثيوبية الإريترية وأثرها على جيبوتي” إلى عدد من سفراء بلاده في الخارج، وتقول المذكرة: “إنّ العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا تحولت 180 درجة، هذا ما يثير الدهشة خاصة عند المراقبين الذين يدركون ما وصل اليه حدة الخلاف بين البلدين ، وما يثير الدهشة أكثر هو أن مهندس هذا التحول هو أبي أحمد رئيس الوزراء الجديد الذي لم يأت من خارج منظومة EPRDF الحزب الحاكم بل هو جزء منه وهو رجل استخباراتي و أمني. إن قرارات أبي أحمد تتسم بالعجلة وأحياناً يشويها عدم التروي”.
تحدثت المذكرة المسربة أيضاً عن أنّ الأثر السلبي عن التقارب بين البلدين هو، “ما قامت به إثيوبيا بطلب رفع العقوبات والتي فرضت على إريتريا بموجب قراري مجلس الأمن للأمم المتحدة 1862 و 1907، مستقلة مقعدها غير الدائم في مجلس الأمن، ويبدو أنّ أسياس هو الذي طلب من إثيوبيا تقديم هذا الطلب على المجلس، مع أنّ هذه العقوبات لم تفرض على إريتريا بسبب الحرب الإريترية الإثيوبية”.
من جانب آخر، يضيف الاهتمام المتزايد لدولة الإمارات العربية المتحدة في القرن الإفريقي تعقيدات جديدة لمأزق جيبوتي. فقد حصلت دولة الإمارات العربية المتحدة على حقوق لإنشاء قاعدة عسكرية بحرية في إريتريا، وقاعدة عسكرية وميناء تجاري في صوماللاند. لكن العلاقات بين جيبوتي والإمارات ساءت منذ شباط (فبراير) الماضي، عندما ألغت الحكومة الجيبوتية عقد شركة موانئ دبي العالمية لتشغيل محطة الشحن الرئيسية للحاويات في جيبوتي. وتردّد في المصالحة الأخيرة بين إثيوبيا وإريتريا إلى أنّ الإمارات قد لعبت دوراً في التقارب بين الجارتين، وتعتبر الشراكة المتنامية بين الإمارات وإثيوبيا، التي حصلت مؤخراً على حصة 19 بالمئة في ميناء بربرة في صوماللاند دليلاً آخراً على التنويع الإقليمي.
في المحصلة، من شأن إنهاء النزاع الذي دام عقدين من الزمن بين إثيوبيا وإريتريا أن يعزز الاستقرار الإقليمي الشامل ويفتح أبواباً جديدة للتجارة الاقتصادية والازدهار في المنطقة. بيْد أنّ هناك خاسرين حقيقيين في هذا السيناريو. فكلما سارع البلدان في تطبيع علاقتهما، وهو ما يجري بخطى سريعة، اختفت مزايا جيبوتي الإستراتيجية بشكل مباشر ، ومعها التدفق النقدي لنظام إسماعيل غيله.

تقارير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *