لماذا تأخرت المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا عشرين عاماً؟


صهيب عبدالرحمن

كاتب صومالي

مقالات الكاتب

منذ الحرب الحدودية المأساوية أواخر التسعينيات، والتي ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من إثيوبيا وإريتريا، لم يكن بالإمكان مشاهدة العلم الإيثوبي في داخل إريتريا أو العكس، إلا في سياق الأفلام الدعائية التي كانت الدولتان ترعيانها ضد بعضهما للتشويه والسخرية.
وبعد يوم واحد فقط من بدء القمة التاريخية، في الثامن من الشهر الجاري، وقع الزعيمان الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي “إعلاناً مشتركاً للسلام والصداقة”، أنهى رسمياً الصراع بين البلدين. وقد بدأت المصالحة مع إريتريا تؤتي ثمارها في الداخل الإيثوبي بالفعل؛ فالإثيوبيون الذين كانوا عالقين في إريتريا بدأوا في العودة إلى ديارهم. كما أعلنت جماعة جيمبوت 7 – وهي فصيل معارض مسلح كان معظم مقاتليه يتمركزون في إريتريا – أنها ستوقف الهجمات المسلحة ضد إثيوبيا في أعقاب الإصلاحات التي أعلنت عنها الحكومة.
في مأدبة العشاء التي أقامها الرئيس الإريتري أسياس أفورقي على شرف رئيس الوزراء الإيثوبي آبي أحمد، ألقى الأخير خطاباً في كل من التيغرية والأمهرية، أعرب عن تقديره الكبير لنظيره الإريتري في موقفه الإيجابي من عملية قبول السلام. وفي خطابه المتلفز، أعرب أفورقي بشكل مماثل عن أنه ممتن لجهود السلام التي يبذلها رئيس الوزراء الإثيوبي.
وفي غضون يوم واحد، تمت استعادة خطوط الهاتف الدولية المباشرة بين إثيوبيا وإريتريا لأول مرة منذ عقدين، وستعاد فتح السفارات قريباً، كما ستبدأ شركات الطيران في البلدين في تشغيل رحلات بين أسمرة وأديس أبابا، في خطوات مهمة بلا شك ستساعد في تطبيع العلاقات بين الشعبين الجاريين.
إعلان السلام المفاجئ
تعتقد برونوين بروتون؛ مديرة البرامج والدراسات في المركز الإفريقي التابع للمجلس الأطلسي، بأنّ السلام بين إثيوبيا وإريتريا استغرق وقتاً طويلاً للوصول إليه، بسبب المجموعة الصغيرة التي كانت تسيطر على القرار الإثيوبي – في إشارة إلى مقاتلي التحرير القدامى من الأقلية الإثنية التيغرية – الذين رفضوا قبول عملية سلام عام 2002 في انتهاك واضح للقانون الدولي منذ ذلك الحين.
فمنذ أن قضت لجنة حدودية دولية في عام 2002 بأن البلدة المتنازعة عليها تنتمي إلى إريتريا، وضعت إثيوبيا أعذاراً واهية لتجنّب إعادتها إلى إريتريا. كان هذا الرفض لتسليم الإقليم عملياً جزءاً من مسألة فخر وطني. فبعد القتال إلى جانب إريتريا لتحرير إثيوبيا من نظام الدرج الشيوعي، استشعر قادة الحركة الثورية بأنهم مدينون بالعرفان لإريتريا ووافقوا على استقلالها. ولكن بعد ذلك ألقيت باللائمة على التيغراي بالتسبب بـ “فقدان” إريتريا، وحرمان البلاد من الوصول إلى منفذ بحري، من هنا كان حرص رئيس وزراء إثيوبيا الراحل ميليس زيناوي الظهور بمظهر القوي بعدم تنازله عن أراضٍ يعدّها إثيوبية.
اقرأ أيضاً: دور الإمارات في تسريع المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا
وبمجرد أن فقدت نخبة التيغراي قيادة زمام الأمور، حدث إعلان السلام المفاجئ بعد سنوات من الجمود، وبهذه الحالة فإنّ المنطق يقول إنّ كلاً من إثيوبيا وإريتريا ستحققان مصالح مشتركة هائلة – ليس فقط من حيث الفوائد الاقتصادية التي ستعود على كلا الجانبين، ولكن أيضاً من حيث السلام والاستقرار الإقليميان. فقد اتبع كل من إريتريا وإثيوبيا سياسية الحرب بالوكالة. والآن بعد أن تحقق السلام بصفة رسمية، فإنّ منطقة القرن الأفريقي بأكملها مقبلة على تغيّرات إيجابية.
ومن جانب آخر، تتحدث برونوين بروتون، عن أنّ الولايات المتحدة وضعت كل رهانها العسكري والسياسي والاقتصادي خلف نخبة التيغراي، وتعاملت هذه النخبة بعنهجية كبيرة مع ملفات القرن الأفريقي، حيث “مارسوا التعذيب والدكتاتورية في الداخل الإثيوبي، وأبقوا مع إريتريا في حالة حرب دائمة لمدة عشرين عاماً، وسجنوا الصحفيين والمعارضة باسم (الإرهاب)، وقاموا بغزو الصومال مما غذى العنف الأصولي بصورة كبيرة”.
وأردفت بروتون: “لقد قاموا بمجموعة كبيرة من الأشياء المروعة التي دعمتها الولايات المتحدة بشكل نشط، أو تغاضت عنها في أحسن الأحوال. الآن، وقد تغير ميزان القوة، يتعيّن على الولايات المتحدة أن تصحح ما قامت به. وعليها تصور طريقة جديدة بنّاءة وأكثر تعاوناً بكثير من الإستراتيجية التي استخدمتها في الماضي للمضي قدماً”.
ماذا تعني المصالحة بالتحديد بالنسبة للبلدين؟
ما قاله قادة كل من إريتريا وإثيوبيا معاً هو أنه سيتم التطبيع الكامل للعلاقات بين البلدين، وعلى المدى القصير سوف يتضمن ذلك فتح الحدود، وإعطاء إثيوبيا إمكانية الوصول إلى الموانئ الإريترية، وإعادة فتح السفارات التي أغلقت عام 1998، واستئناف الرحلات الجوية بين العواصم. ويبدو أن مواطني البلدين سيكونون قادرين على عبور الحدود- ولم يرد أي ذكر لأية رسوم جمركية على البضائع. (كان هذا أحد مصادر الصراع قبل الحرب).
بالنسبة إلى إريتريا يبدو أنّ سقف التوقعات والآمال بشأن عملية السلام أعلى، إذ يتطلع الإريتريون في الداخل، الذين أُجبروا على العيش في دولة بوليسية لعقود، أن ينالوا حقوقهم الأساسية في العيش الكريم، كما يأمل الإريتريون في الخارج، الذين أجبروا على الفرار من وطنهم، أن يتمكنوا من العودة. ويعتقد كثيرون أنّ السلام مع إثيوبيا يمكن أن يكون دافعاً لتحقيق رغباتهم تلك.

ليس من السهل أن تراجع الحكومة الإريترية مسارها الديكتاتوري فجأة وتعترف بأخطائها، لكن السلام مع إثيوبيا سيجبر أسمرة في النهاية على تنفيذ الإصلاحات وتخفيف قبضتها على مواطنيها. فلطالما استخدمت الحكومة الإريترية “التهديد الإثيوبي” لتبرير العسكرة النظامية وعمليات القمع والرقابة والتجنيد القسري. ومع اختفاء التهديد الإثيوبي ومغادرة القوات الإثيوبية للمنطقة، لن يكون لدى الحكومة الإريترية أية أعذار لعدم الاستثمار في البلدات والقرى الحدودية التي تم تحويلها فعلياً إلى مدن وقرى للأشباح، ومن المرجح أن يمد الشركاء الدوليون يد المساعدة، خصوصاً، الذين تأثروا بشكل سلبي بموجات الهجرة التي سببتها القاعدة الاستبدادية العنيفة، مثل الاتحاد الأوروبي.
ففي ذروة أزمة اللجوء إلى أوروبا، كان الإريتريون من بين أكبر المجموعات التي تصل إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط؛ حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن قرابة 000 170 من اللاجئين الإريتريين يعيشون في إثيوبيا.
وفي عام 2015، كان الإريتريون رابع أكبر مجموعة تخاطر بحياتها لعبور البحر الأبيض المتوسط، بعد السوريين والأفغان والعراقيين، وفقاً للأمم المتحدة. وتعد الخدمة العسكرية التي يمكن أن تمتد لعشرات السنين سبباً رئيسياً لهروب الشباب بقوارب الهجرة البحرية وطرق الصحراء الطويلة. وشدّدت الحكومة الإريترية مراراً على أنّ الخدمة الوطنية ضرورية للدفاع عن نفسها من إثيوبيا.
في عام 2014 ، وعد الرئيس الإريتري إسياس أفورقي بصياغة دستور جديد، يحد من مدة الخدمة العسكرية الإلزامية، ولكن لم تتحقق هذه الوعود حتى اليوم، ويملك أفورقي سجلاً طويلاً في تشويه الحقائق وكسر وعوده بالإصلاح. وبسبب هذا السجل، يشكك بعض الإريتريين في أن تنعكس المصالحة مع إثيوبيا إيجاباً على حياتهم في الداخل.

تقاريرغير مصنف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *