صوماللاند: دولة الأمر الواقع الأنجح إفريقياً في المسار الديمقراطي


صهيب عبدالرحمن

كاتب صومالي

مقالات الكاتب

يقرّ ميثاق الأمم المتحدة بحق الشعوب في تقرير المصير، ويتضمن ذلك الحق أن تكون الدولة المستقلة ذات سيادة ومعترفاً بها من قبل المجتمع الدولي. ومع ذلك، فغالباً ما يتم تفسير تقرير المصير على أنه حق السكان في تحديد كيفية إدارة حكمهم الداخلي. وبعبارة أخرى، فإنّ تقرير المصير في عالمنا اليوم غالباً ما يقصد به ما يتعلق بخيارات الحكم داخل بلد قائم، بدل الحديث عن إقامة دولة جديدة.
وثمة عوامل معقدة في مضمار إقامة دولة جديدة في العالم، أهمها، أنه لكي تولد دولة جديدة، يجب أن تفقد دولة موجودة بالفعل وذات سيادة جزءاً من أراضيها. من شأن ذلك أن ينتهك قوانين ومعايير السلامة الإقليمية، وهي من أكثر المبادئ قدسية في النظام الدولي.
لا يُعزى سبب عدم الاعتراف بجمهورية صوماللاند أو (أرض الصومال) إلى الإضرار بسلامة أراضي دولة أخرى، بل بعكس ذلك، يقوم حجاج صوماللاند المتطلع إلى تقرير المصير، على حقيقة تاريخية مفادها، أن الدولة الأفريقية قامت على الحدود الاستعمارية إبان فترة الاستقلال، بحيث اعتبر كل كيان استعماري وريثاً شرعيّاً للحدود التي تركها الاستعمار.
من ذلك المنظور، تتفق الآراء، على كون صوماللاند دولة مستقلة ذات سيادة، فقد نالت الاستقلال من الاستعمار البريطاني في تاريخ 26 حزيران (يونيو) 1960 ككيان استعماري مستقل، وحازت اعترافاً من 34 دولة من دول العالم وقتذاك. إلا أنها بعد فترة وجيزة، بادرت بدخول وحدة طوعية مع الصومال الإيطالي الذي نال استقلاله منالاحتلال الإيطالي. وعلى أساس هذه الوحدة، تأسست ما سُميت بالجمهورية الصومالية الديمقراطية.
لم تعمّر هذه الوحدة طويلاً، فقد ظهرت منذ لحظة الوحدة نية من طرف صوماللاند لاستعادة استقلالها، وظهر ذلك حين نفذ أحد عشر جنرالاً من الجيش محاولة إنقلابية ترمي إلى انفصال الإقليم الشمالي (صوماللاند)، في عام 1961. ولكن العملية لم تكلّل بالنجاح. وبعد ذلك بوقت قصير، وقعت البلد تحت الحكم العسكري، الذي انتهج سياسة متشددة ضد معارضيه السياسيين، وقاد هذا الأمر في نهاية المطاف إلى نشوء تمرد عسكري في مناطق صوماللاند، تقوده الحركة الوطنية الصومالية (SNM) فجابهها النظام العسكري بارتكاب مذابح جماعية بحق الشمال (صومالاند)، حيث سوّيت مدن كاملة بالأرض. وانتهى ذلك التمرد، بسيطرة حركة (SNM)، على إقليم الشمال، ومن ثم أعلنت عودتها إلى حدود الإقليم الاستعمارية، فقامت صومالاند من جديد، وجرى فكّ ارتباط الوحدة مع الصومال الجنوبي من جانب واحد. وذلك في 18 أيار (مايو) 1991. في وقتٍ هوت باقي ما كان يسمى بالجمهورية الصومالية في حجيم حرب أهلية.
أنضج التجارب الديمقراطية في عموم أفريقيا
منذ إعلانها في عام 1991، مثلت صوماللاند واحدة من أنضج التجارب الديمقراطيةفي عموم أفريقيا، فقد نحجت الجمهورية الجديدة في تنظيم انتخابات رئاسية، وانتخابات بلدية وبرلمانية، إلى جانب إقرار دستور وطني مستفتى عليه شعبياً، كما أسست جيشاً موحداً، وصكت عملة جديدة، وقدمت مناهج تعلمية وطنية، وجوازات سفر خاصة.
تعتبر صوماللاند دولة الأمر الواقع؛ De Facto State، وبهذا الأساس تتعامل مع كثير من دول ومنظمات العالم، رغم غياب الاعتراف القانوني بها، وتحتفظ بمكاتب تمثيلية في صوماللاند.

تعتبر صوماللاند دولة الأمر الواقع؛ De Facto State، وبهذا الأساس تتعامل مع كثير من دول ومنظمات العالم، رغم غياب الاعتراف القانوني بها، وتحتفظ بمكاتب تمثيلية في صوماللاند.

وتشيد الدول الغربية باستمرار، بالنموذج الخاص والفريد في صوماللاند، لكن ذلك لا يرقى إلى إعلان اعترافها بشكل تام. رغم المؤشرات الجيدة التي حققتها صوماللاند في مسار الديمقراطية. فعلى سبيل المثال، يُظهر أحدث تقرير لمنظمة “فريدوم هاوس” في 2018، بأنّ صوماللاند متقدمة عن معظم الدول الأفريقية وجميع الدول العربية، ما عدا تونس من ناحية الحريات والديمقراطية.
في الجانب الآخر، تواجه صوماللاند مآزق عديدة تتعلق بجوازها غير المعترف به من غالبية دول العالم، فضلاً عن أنّ شبكة الانترنت ما تزال تظهر اسم الصومال، وتعممه على صومالاند، وهناك أيضاً الاتفاقيات الدولية التي تشترط السلطات الصومالية أن تمرّ عبرها.
وفي الصومال، مع أنّ النظام السياسي غير مستقر حتى الآن، لكنها هي الأخرى انتقلت إلى اسم جمهورية الصومال الإتحادية، بعد أن تم إعلان اعتماد الفيدرالية كنظام سياسي لتنظيم العمل السياسي، لكن لم تعرف بعد أي انتخابات مباشرة، بسبب التهديدات المرتبطة بحركة الشباب، والانقسامات السياسية الواسعة، وغياب دستور مكتمل، وجيش موحد، والفوضى الأمنية.

يُظهر أحدث تقرير لمنظمة “فريدوم هاوس” في 2018، بأنّ صوماللاند متقدمة عن معظم الدول الأفريقية وجميع الدول العربية، ما عدا تونس من ناحية الحريات والديمقراطية.

وبوجهٍ عام، تواجه الصومال جملة تعقيدات مركبة، وتتلقى في سبيل اجتيازها معونات خارجية ضخمة من كل دول العالم والمنظمات الدولية والإقليمية بشكل سنوي، بينما نجحت “صوماللاند” في اجتياز هذه العراقيل رغم أنها لا تملك اعتراف العديد من الدول والمنظمات.
دولة الإمارات حليف إستراتيجي
وقعت صوماللاند بشكل رسمي في بداية شهر آذار (مارس) 2018 اتفاقية مع شركة موانئ دبي الإماراتية، تدير الأخيرة بموجبه ميناء بربرة لمدة ثلاثين سنة، باستثمارات قدرها 430 مليون دولار، بهدف أن يصبح ميناءً إقليمياً محورياً ومعبراً رئيسياً لمختلف البضائع المتجهة إلى إيثوبيا، البلد ذي المئة مليون نسمة، والذي يفتقر إلى منفذ بحري منذ انفصال إريتريا عنه عام 1993.

من شأن امتلاك صوماللاند حليفاً ذا نفوذ في الشرق الأوسط، كما في البيت الأفريقي، أن يتيح لها فرصة لطرح مبرراتها التاريخية والسياسية والقانونية بحق تقرير المصير.

السلطة الفيدرالية في الصومال رفضت اتفاقية موانئ دبي بشكل قاطع، وصوت البرلمان الصومالي ضدها، معللاً بذلك بكونها الجهة المعنية بالشؤون السيادية. رد على ذلك طرف صوماللاند بأن ما جرى في “البرلمان” مجرد “نكتة”. وذكّر السلطة الفيدرالية الصومالية بأنها لا تملك السيادة على “صوماللاند” إلا بصفة اسمية. وأنّ أي مسؤول فيها لا يستطيع عبور الحدود إلى جانب صوماللاند.
الخلاف المثار حالياً حول السيادة يتداخل فيه ماهو سياسي بما هو قانوني وما هو تاريخي، ويرجع هذا إلى حد كبير إلى أنّ الصومال لا تزال تطالب بالسيطرة السيادية على الإقليم، رغم الاستقلالية الكاملة لصوماللاند في إدارة شؤونه الداخلية.
وهناك اتفاقيات سابقة توصل إليها الطرفان تقضي بأحقية صوماللاند في عقد الاتفاقيات التجارية والاقتصادية بما يخدم مصالح شعبها.
تحريضات قطر ضد موانئ دبي
وفي ضوء ذلك، تم التوصل في جيبوتي عام 2014، إلى اتفاقية بين الصومال وصوماللاند تجيز للأخيرة، باعتبارها سلطة الأمر الواقع، الانخراط في علاقات خارجية تعتبر هي المسؤولة الوحيدة عنها قانونياً، خاصة، في الحالات التي تنطوي على الاستثمار الأجنبي. وقد سبق أن وقعت صوماللاند اتفاقيات عدة مع شركات وجهات مختلفة، ولم تحتج الحكومة الصومالية على أي منها. ويعتقد الكثير من المراقبين بأنّ الرفض الصومالي الأخير للشركة الإماراتية، يتصل بتحريك وتحريض من جانب قطر، وإعلامها، حيث ابتهجت “الجزيرة” وهي تبث عبر نشراتها وعلى مدار أيام نبأ تصويت “البرلمان” الصومالي!
تدرك القيادة السياسية في صوماللاند حاجتها إلى حليف مُعتبر في ميزان المنطقة، لديه أوراق نفوذ في اتجاهات عدة، في سبيل دعم قضيتها. وهو ما حدا بهم إلى الاقتراب من دولة الإمارات، ومنحها قاعدة عسكرية في أراضيها، إضافة إلى توقيع اتفاقات عديدة تدرب بموجبه دولة الإمارات الجيش والشرطة الصوماللانديين، فضلاً عن اتفاقيات تشمل قطاعات اقتصادية أخرى.
ويرى مراقبون أنّ من شأن امتلاك صوماللاند حليفاً ذا نفوذ في الشرق الأوسط، كما في البيت الأفريقي، أن يتيح لها فرصة لطرح مبرراتها التاريخية والسياسية والقانونية بحق تقرير المصير.
تركيا وسيط غير نزيه
منذ عام 2013 تستضيف تركيا مفاوضات متقّطعة بين طرفي صوماللاند والسلطة الفيدرالية في الصومال، وتواجه الدولة المضيفة ذاتها، اتهامات بقمع تاريخي لمصير الأرمن والكرد. وتتبنّى في الملف الصومالي رؤية تنحاز للوحدة، وتناصر بشكل معلن طرف الفيدرالية الصومالية وتقف ضد مشروع صوماللاند؛ حيث تستثمر في الصومال بشكل ضخم، وتستحوذ على إدارة المطارات والموانئ بنسبٍ مئوية كاملة.
في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في صوماللاند، التي جرت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، كان موضوع الحصول على الاعتراف من أسخن القضايا التي تضمنتها البرامج الانتخابية التي تنافست عليها الأحزاب السياسية، وروج الحزب الحاكم حالياً بأنه سيتبنى سياسية جديدة في ملف الاعتراف، وأنه سيتوقف كلياً عن محادثات تركيا، وأنه بدلاً من ذلك سيطلب من المجتمع الدولي تنظيم وساطة دولية بين الصومال وصوماللاند، تمنح الأخيرة طرح مبرراتها في سبيل تقرير المصير، بإشراف دوليّ.

تقارير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *