صوماللاند تستثمر في الكتاب والثقافة بحثاً عن الاعتراف الدولي


صهيب عبدالرحمن

كاتب وصحافي صومالي

مقالات الكاتب

ما الذي حدث اليوم لفضيلة الحكمة التي ظلت سمة أساسية للقادة الاجتماعيين. من هم طلائعنا الحكماء في أيامنا؟ ما علاقة الأدب والشعر والفنون الشفهية التقليدية بالحكمة. هل بدأ الأدباء التقليديون يفقدون مكانتهم في المجتمع. هل أدّت التحولات الجذرية للمجتمع الصومالي في الآونة الأخيرة إلى تراجع جوهر حكمة الناس العاديين؟
هذه جملة من أسئلة قدمها معرض هرجيسا الدولي للكتاب، الذي انعقد في عاصمة جمهورية صوماللاند، من السبت 21 تموز (يوليو) إلى الخميس 26 من الشهر نفسه، حاملاً شعار “الحكمة” مكملاً أحد عشر عاماً كواحد من أهم الأحداث الثقافية السنوية على مستوى القرن الإفريقي.
الكلمة الافتتاحية لمؤسسة “ريد سي” وهي الجهة المنظمة للمعرض في كل عام، أعربت في كلمتها الافتتاحية عن طموحها نحو “تعزيز مجتمعٍ متماسكٍ ومنفتحٍ ومبدعٍ ومتسامحٍ تقوده الحكمة، في مجتمعٍ قائمٍ على إطار ثقافته وتراثه وإنتاجه الحضاري، بدءاً من بيت الحكمة من القرن التاسع الهجري في العصر الذهبي الإسلامي في بغداد، وصولاً إلى الحكماء الصوماليين والصوماليات الذين قادوا مجتمعهم لقرون في ضمن نظام من الحكم التقليدي”.
في العام الماضي حلّت دولة جنوب إفريقيا دولة ضيفة على المعرض، في حين حلّت رواندا ضيفة في هذا العام، وهي دولة كانت تشهد قبل أقلّ من ثلاثة عقود عمليات إبادة جماعية مروعّة، ولكنها ظهرت سريعاً كبلد رائد في القارة الإفريقية من نواحي التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وشارك في المعرض العديد من الكتاب والشعراء وصانعي الأفلام من رواندا، كما شاركت كذلك نخبٌ مختلفة ساهمت في تشكيل التاريخ الحديث لرواندا، في ظلّ عقد مقارنات بين التجربتين الصوماللاندية والرواندية، اللتين تتشابهان في مسار البناء ما بعد الانهيار والنجاح بالخروح من حالة الحرب الأهلية، ومع انتخاب رئيس رواندا بول كاغامي رئيساً للاتحاد الأفريقي عام 2018 جاءت استضافة رواندا متّسقة مع أحلام صوماللاند بلفت الانتباه بمطالبتها بنيل الاعتراف الدولي.
معرض هرجيسا الدولي للكتاب ليس مجرد مناسبة لعرض آخر الإصدارات من الكتب والأعمال الفنية الأخرى، بقدر ما يمثل فرصة لتعزيز الوعي لدى المشاركين الأجانب على تجربة صوماللاند، التي انفصلت عن الصومال من جانب واحد في مطلع التسعينات، وتفتقر حتى الآن لاعتراف رسمي من دول العالم.
ولهذا يتم في كل عام دعوة عشرات السفراء الأجانب والشخصيات السياسية وممثلي الهيئات الدولية، بغية جذب انتباههم في مسألة صوماللاند، والااختلافات الجذرية بينها وبين الصومال.
قرّاء شباب: ما رأيناه لم يكن معرضاً للكتاب
من جانب آخر، يعبّر الكثير من الشباب القرّاء عن إحباطهم في كل عام من عدم توفّر كُتب وإصدارات مثيرة للاهتمام في المعرض، اذ ينحصر ماهو متوفّر في المعرض بالمكرّر والمعهود والقديم، بسبب قلة الكتب الصادرة في البلد عموماً، وغلاء أسعارها، ويُعزى ذلك جزئيّاً إلى السعر المرتفع لطباعة الكتب، وأسعار الورق وأدوات الطباعة، ولأن صوماللاند تستورد كل شيء تقريباً، فتتأثر صناعة الكتاب بهذا الوضع أيضاً.
وتوجّه الشاعرة والرسامة “نجاح محمود” سِهام نقدها إلى منظمي المعرض، وصفهم بأنهم غير مهتمين فعليّاً بإضافة شيء حقيقي في المشهد الثقافي الصومالي، كما تلجأ الى تفسير ظريف من وراء هدف عقد المعرض من أساسه بالقول إنه “مجرد فيستفال وليس معرضاً للكتاب”. وتعرب ” عن اعتقادها بأنّ منظمي المعرض “لا يقصدون أساساً تنظيم معرض للكتاب، أكثر ممّا يهدفون إلى تنظيم تظاهرة ثقافية في أحسن الأحوال، إن لم نقل مجرد فيستفال، تستطيع أن ترى ذلك من كمية زخم الحفلات الغنائية والمحاضرات السياسية التي لا تمت بصلة للمعرض وبثيمته المعلنة -التي رغم رخاوتها، لا يندرج تحتها تقريباً جلّ فعاليات المعرض”.
وتردف نحاج: “لا يخالجني أدنى شك بقمية الفن والغناء ومدى حاجتنا إليها، لكن أن يتم ذلك باسم الكتاب فهذه جريمة بحقّ الكتاب وبحقّ محبي الكتب والقراءة. إنّ مجتمعنا محاصر بحفنة من المتشدّدين الدينيين الذين يخنقون الحياة العامة، ويحرّمون إقامة حفلات غنائية عامة، وربما لهذا السبب يختبئ منظمو المعرض وراء (معرض للكتاب)، لأنهم لا يتحلّون بالشجاعة الكافية لإيجاد تسمية مناسبة لما يقومون به، فما رأيته في (معرض الكتاب) لا يمت بصلة للكتاب بأيّ حال من الأحوال”.
من جانبه، يرى الكاتب عبد الغني حرسي أنّ معرض الكتاب تحوّل الى مناسبة للبحث عن الاعتراف، “فعشرات الخُطب والتصريحات والنقاشات السياسية تصمّ أذنيك، في تظاهرة يفترض أنها ثقافية”.
ويقول “: “أشك كثيراً في أنّ هذا سيعود بالنفع. البحث عن الاعتراف هي مسؤولية وزارة الخارجية، ومهمة معرض الكتاب على الأٌقل، هي، أن يعرض على القارئ إصدارات جديدة. الأمر بهذه البساطة”.
يكمل حرسي: “ومن غير المفهوم أيضاً إصرار القائمين على المعرض على استخدام كلمة international، هل رأيتم معرضاً عالمياً من دون ناشرين أجانب؟ الأمر سريالي تماماً”.
مؤتمر ” الدراسات الصومالية”
ضمّت فعاليات المعرض تظاهرات ثقافية صومالية ورواندية موزعة بين الأمسيات الشعرية والمحاضرات، وتوزّعت فعاليات التظاهرة بين العروض الموسيقية التقليدية والغنائية، التي قدّمها عددٌ من الفنّانين والفرق، إضافةً إلى معارض تشكيلية وندوات سياسية وأمسيات أدبية يشارك فيها فنّانون وكتّاب يمثلون الثقافتين؛ الصومالية والرواندية.
وفي سياق غير بعيد، وبالتوازي مع انعقاد أعمال المعرض، نظّمت “الرابطة الدولية للدراسات الصومالية” مؤتمرها الأربعين في جامعة هرجيسا؛ وهي رابطة دولية تأسست في عام 1978، ولعبت دوراً مركزياً في تحديد مجال الدراسات الصومالية الحديثة، ومنذ إنشائها، نظمت الرابطة 12 مؤتمراً دولياً، إضافة إلى العديد من المؤتمرات الإقليمية والقارية الأخرى، تم عقد أربعة منها فقط في الأراضي الناطقة باللغة الصومالية.
وناقش المؤتمر، على مدار ستة أيام، الإشكاليات التي تواجه إنتاج المعرفة عند الصومال والصوماليين، وهو حقل ما زال بيد الأكاديميين الغربيين، حيث يُهمّش الباحث المحلّي في عملية إنتاج المعرفة في الخطاب الأكاديمي الغربي، وفي هذا السياق، سعى المؤتمر لبحث الكيفية المُثلى لكسر العزلة التي يعانيها الشباب الصومالي عن الأوساط الأكاديمية المشتغلة بإنتاج المعرفة عن بلادهم، وبالتالي على تشجيعهم أن تكون لهم فاعلية أكبر ومساهمة عملية بهذا الصدد.

ثقافة وفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *