دور سعودي-إماراتي متناغم لإعادة هندسة أمن البحر الأحمر


صهيب عبدالرحمن

كاتب صومالي

مقالات الكاتب

جدّدت التحولات الجيوسياسية العميقة اهتمام دول الخليج في القرن الإفريقي، وأعيد تنشيط الأهمية الإستراتيجية لدول غرب البحر الأحمر بسبب صراع النفوذ بين المحاور الإقليمية والدولية والبحث عن مناطق نفوذ، فضلاً عن التداعيات التي أسفرت عنها الحرب في اليمن التي يقودها التحالف العربي ضد المليشيات الحوثية الانقلابية المدعومة من طهران.
وفي هذا السياق، استضافت السعودية الأحد الماضي لقاءً لتعزيز السلام بين إثيوبيا وإريتريا، ووقّع الرئيس الإرتيري، أسياس أفورقي، ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد علي اتفاقية جديدة سُميت بـ “اتفاقية جدة للسلام”، برعاية العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز.
وحضر مراسم التوقيع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ووزير الخارجية والتعاون الدولي لدولة الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان.
وعقب توقيع اتفاقية السلام بين الرئيس الإريتري، ورئيس الوزراء الإثيوبي، قلّد العاهل السعودي مسؤولي البلدين قلادة الملك عبد العزيز، والتي هي أرفع وسام مدني في السعودية.
وأوضح وزير الخارجية عادل بن أحمد الجبير أنّ توقيع اتفاقية جدة للسلام جاء نتيجة جهود بذلتها دولته، للتقريب بين البلدين، وامتدت على مدى أشهر طويلة، وكان هناك زيارات متبادلة بُحث خلالها سبل وإمكانيات الوصول إلى اتفاق بين البلدين المتجاورين.
وقال الجبير خلال مؤتمر صحفي عقده مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بفرع وزارة الخارجية السعودية بجدة: “بسبب الشجاعة السياسية لقادة جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية وقادة دولة إريتريا وصل الطرفان إلى هذا الحل التاريخي الذي نأمل أن يسهم في أمن واستقرار منطقة البحر الأحمر؛ ما سيفتح المجال إلى مزيد من التعاون والتجارة والاستثمار من العالم كله”.
من جانبه، قال الأمين العام للأمم المتحدة في كلمة له: “أنا سعيد للغاية لوجودي في جدة؛ إذ أُتيحت لي الفرصة لكي أشهد هذه اللحظة التاريخية”، مشيراً إلى أنّ “توقيع اتفاقية السلام بين رئيس دولة إريتريا ورئيس وزراء جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية في الواقع حدث تاريخي، له مغزى مهم جدّاً في عالمنا الحالي؛ فقد شاهدنا صراعاً طال أمده إلى ما لا نهاية.. وللأسف، فإنّ كثيراً من الصراعات تتضاعف وتدوم طويلاً”.
وأعرب عن تقديره العميق للدور الذي قامت به حكومة المملكة العربية السعودية لتسهيل الاتفاقية، والمساهمة في لَمّ شمل الطرفين. كما نوه بشجاعة ورؤية رئيس وزراء جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية الذي أظهر قدرة على التغلب على عراقيل الماضي الهائلة، وفتح فصل جديد في تاريخ بلاده.. وكذلك بالطريقة التي تجاوب بها رئيس دولة إريتريا بشكل فوري مع مبادراته للسلام.
وأشار إلى أنّ هناك نافذة أمل تطل على القرن الأفريقي؛ فالأمر لم يعد فقط سلاماً بين إثيوبيا وإريتريا، بل يتعدى ذلك، متمنياً أن يرى تحسناً عامّاً لعلاقات بلدان المنطقة.

تسلسل الزيارات والأحداث
وكان ولي العهد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان قد زار أديس أبابا قبل وقت قصير من إعلان رئيس الوزراء أبي أحمد رغبته في إجراء محادثات مع أسمرة، وأعطى ولي عهد الإمارات في تلك الزيارة إشارة إلى أنه يمكن للدول الخليجية استخدام نفوذها للدفع باتجاه السلام. وساهمت هذه الزيارة فعلياً في تقريب وجهات النظر بين البلدين؛ حيث قام آبي أحمد في زيارة تاريخية إلى أسمرة في التاسع من حزيران (يونيو) لإنهاء الصراع المرير بين الدولتين الجارتين الذي استمر عقدين من الزمن.
وفي أواخر تموز (يوليو)، قام آبي أحمد وأفورقي بزيارة مشتركة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة حيث منح الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي وسام “زايد” لهما وهو أرفع وسام على مستوى دولة الإمارات.
الأسبوع الماضي، وبالتحديد في يوم رأس السنة الإثيوبية، التي توافق يوم رأس السنة الهجرية، احتفل قائدا البلدين على الحدود الإثيوبية الإريترية، وأعلن رئيس الوزراء الإثيوبي في تلك المناسبة سحب قوات بلاده من الحدود مع إريتريا وقيام الأخيرة بالمثل، ضمن إجراءات بناء الثقة. سبقه ذلك بوقت قصير إعلان فتح السفارة الإثيوبية في أسمرة، وخطوات أخرى بإتجاه السلام.
كما أعادت الدولتان الثلاثاء الماضي فتح الحدود البرية للمرة الأولى منذ 20 عاماً، مما يمهد الطريق للتجارة بينهما، بعد أن دخل البلدان في عداء طويل تخللته حروب حدودية، انتهت بتوقيع اتفاق السلام والصداقة التاريخي.
وفي بداية الشهر الماضي، استضاف آبي أحمد وزيرة الدولة للتعاون الدولي في دولة الإمارات العربية المتحدة. جاء ذلك الاجتماع بعد يوم واحد من استقباله وزير خارجية المملكة العربية السعودية عادل الجبير، الحليف الرئيسي لدولة الإمارات العربية المتحدة. كما قام الجبير بزيارة مماثلة إلى أسمرة في التاسع من الشهر الماضي.
إذاً، لعبت كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة دوراً رئيسياً في تيسير المصالحة بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ورئيس إريتريا أسياس أفورقي. التقى الرجلان مع قادة سعوديين وإماراتيين في عدة مناسبات قبل وأثناء المصالحة، وظلوا على اتصال منتظم منذ ذلك الحين.

عودة الأهمية الجيوسياسية للبحر الأحمر
تسعى دول شرق البحر الأحمر إلى تعميق دورها على طول الساحل المقابل. وفي موازاة ذلك، تحاول دول القرن الأفريقي مثل إثيوبيا الاستفادة من هذه الديناميكيات الجيوبوليتيكية المتغيرة لتعزيز مكابسها الإقتصادية والسياسية. كما تستخدم إريتريا صلاتها مع السعودية والإمارات ومصر للخروج من العزلة المفروضة عليها.تعود العلاقات بين القرن الأفريقي والدول الخليجية إلى آلاف السنين. لكنها تراجعت بشكل كبير مع نهاية الحرب الباردة في أوائل التسعينيات، عندما خضع القرن الإفريقي لعدة تغيرات؛ حيث انهار النظام الماركسي-اللينيني في إثيوبيا، وهوى الصومال في أتون حرب أهلية طال أمدها. وأعلنت إريتريا وصوماللاند الاستقلال من دون حصول الأخيرة على اعتراف دولي. وشهد السودان ثورة إسلامية. أمام هذا التسونامي من التغيرات الدراماتيكية، اختارت دول الخليج التراجع، وظلت علاقتها مع دول القرن الأفريقي في أدنى سلم الاهتمام طيلة العقدين التاليين.

أولويات المحور السعودي-الإماراتي
بدأت المملكة العربية السعودية في تطوير عقيدة الأمن الخاصة بها مع تضاؤل مشاركة الولايات المتحدة في المنطقة، في سبيل مجابهة إيران. قلق السعوديين الأكبر في هذا المضمار يكمن في إمكانية إيران وأذرعها في تعطيل مرور شحنات النفط عبر مضيق هرمز وباب المندب. وهذا القلق هو ما حدا بالسعوديين لتطوير خيارات استراتيجية في البحر الأحمر وإعداد تدابير لحماية جناحي الجنوب والغرب في البحر الأحمر.
وتشمل هذه الخطط أسطولاً عسكرياً في البحر الأحمر، فقد أعلنت السعودية العام الماضي أنها تقوم ببناء قاعدة عسكرية في جيبوتي، كما تقود جهوداً لاجتثاث وجود إيران في السودان وجيبوتي والصومال؛ حيث إنها في عام 2014 ضغطت على تلك الدول لإغلاق البعثات الثقافية الإيرانية وطرد دبلوماسييها. الأمر الذي امتثلت له تلك الدول. ثم تصاعدت الأمور في عام 2015 عندما بدأت السعودية عمليات عسكرية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن المدعومين من قبل إيران.
انضمت الإمارات إلى التحالف الذي تقوده السعودية بعد ذلك بقليل. وسرعان ما أصبحت الشريك الرئيسي في الحرب الجوية على القطاع الساحلي لليمن وفتحت قاعدة جوية في مدينة عصب الساحلية في إريتريا. في غضون ذلك، سعت شركة “موانئ دبي العالمية” الإماراتية إلى الحصول على عقود بقيمة مئات الملايين من الدولارات لتطوير ميناء بربرة في صوماللاند المنفصلة عن الصومال، كما حافظت في الوقت عينه، على علاقات سياسية وثيقة مع كل من مصر وإثيوبيا.
دوافع إستراتيجية المحور السعودي الإماراتي ليست أمراً تجاريا فحسب؛ بل هي سياسية وأمنية كذلك، وتهدف الدولتان لمجابهة نفوذ إيران في المنطقة، واحتواء محور قطر وتركيا، الرافعتين شعار تشجيع “الإسلام السياسي” في المنطقة.

مكاسب دول القرن الإفريقي
أصبح القرن الإفريقي في الأعوام القليلة الماضية ساحة معارك نفوذ تدور حوله المنافسات الشرق أوسطية. وانخرطت مجموعات مختلفة في تلك المنطقة سعياً وراء مصالحها الخاصة. كان بعضها أكثر نجاحاً من الآخر، لكن السؤال بالنسبة للكثيرين هو ما إذا كانت الدول القرن إفريقية قادرة على جعل هذا التنافس المحموم يعمل لصالحه، وعن قدرتها على ترجمة تلك العلاقات إلى مصالح متبادلة تلبّي طموحات شعوبها في الاستقرار والرفاه.
في خضم التنافس المتنامي على النفوذ بين محاور الشرق الأوسط، تمكنت إثيوبيا من الاستفادة من أهميتها الجغرافية الإستراتيجية، باعتبارها البلد المهيمن في المنطقة، في تقوية علاقاتها مع السعودية والإمارات العربية المتحدة لجذب الاستثمارات. وفي حزيران (يونيو) الماضي، وافقت الإمارات العربية المتحدة على صفقة بقيمة 3 مليارات دولار تودع فيها مليار دولار في البنك الوطني الإثيوبي لمساعدة سد النقص في قيمة العملة المحلية، واستثمار الملياري دولار الباقيين في مختلف القطاعات الرئيسية.
كما هيأت إثيوبيا نفسها بشكل جيد للاستفادة من التنافس المحموم على موانئ البحر الأحمر للخروج من اعتمادها لما يقرب من 95 ٪ من وارداتها على جيبوتي، وأصبح لديها الآن طرق بديلة لتنويع فرص وصولها إلى منافذ بحرية. فالتقارب مع الجارة إريتريا سيمنحها بلا شك إمكانية الوصول إلى الموانئ الإريترية القريبة منها، في حين أنّ تطوير دولة الإمارات لميناء بربرة سيعطيها خياراً استراتيجياً حاسماً آخر.
إذاً، تبدو إثيوبيا حتى الآن بأنها تمكنت من تحقيق التوازن والربح من اهتمام الشرق الأوسط المتجدد بالقرن الأفريقي. كما عززت إريتريا أيضاً من مكانتها الإقليمية في أعقاب مشاركتها العسكرية في عمليات التحالف العربي في اليمن.
كما يعتبر الإقليم بشكل عام مستفيداً من صفقات السلام المتتالية، ففي اليوم الذي تلا “قمة جدة للسلام”، استضافت السعودية اجتماعاً تاريخياً آخر جمع كلاً من الرئيس الجيبوتي ونظيره الإريتري، وذلك برعاية الوسيط السعودي، متمثلاً في وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، وهو أول لقاء يجمع بين قادة الدولتين منذ أكثر من عقد من الزمن.
وكانت جيبوتي قد وافقت في السادس من الشهر الجاري على مبدأ تطبيع العلاقات الثنائية مع جارتها إريتريا، وذلك خلال الزيارة الأخيرة إلى جيبوتي التي قام بها وفد دبلوماسي رفيع يضم وزراء خارجية إريتريا وإثيوبيا والصومال.
وأفاد مصدر حكومي سعودي مطّلع بأنّ المباحثات خلال الاجتماع تمحورت حول سبل إنهاء الخلاف وبدء عملية تطبيع العلاقات الثنائية بين البلدين، ويشير كل ذلك إلى اهتمام السعودية في تسخير قدراتها ومكانتها في دفع السلام في المنطقة، وتقريب وجهات النظر بين دوله.

تقارير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *