دلالات عودة العلاقات الدبلوماسية بين الصومال وإريتريا


ليبان مجمد

كاتب صومالي

مقالات الكاتب

بعد أكثر من 15 سنة من القطيعة، أعلنت الصومال وإريتريا إعادة تطبيع علاقتهما الدبلوماسية، وذلك في الزيارة التى قام بها الرئيس الصومالي محمد عبدالله فرماجوا لأسمرا بعد أن تلقى دعوة رسمية من نظيره الإريتري اسياس افورقي في 28 من يوليو/تموز المنصرم.
جذور القطيعة
إتسمت العلاقات الصومالية الإريترية بطابع من الخصوصية، وذلك نتيجة لإحتضان الصومال القضية الإريترية لعقود، ودعمه للثورة الإريترية المسلحة ضد إثيوبيا. بيد ان العلاقات بين الجانبين تدهورت إبان التدخل الإثيوبي لصالح الحكومة الصومالية المؤقته آنذاك بقيادة الرئيس الصومالي السابق العقيد عبدالله يوسف ضد تنظيم المحاكم الإسلامية.

إتسمت العلاقات الصومالية الإريترية بطابع من الخصوصية، وذلك نتيجة لإحتضان الصومال القضية الإريترية لعقود

وخلال القطيعة بين الجانبين، ظلت أسمرة تعارض الحكومات الصومالية المتعاقبة، وتدعم الحركات المسلحة في الصومال، خاصة حركة شباب المجاهدين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتى تسعى لإسقاط الحكومة الصومالية لمناكفة عدوها اللدود الجارة إثيوبيا؛ اللاعب الإقليمي الرئيسي وصاحبة النفوذ السياسي الواسع على الساحة الصومالية، والموزع التقليدي للأوراق السياسية على طاولة الأقليم.
وقع الرئيس الصومالي محمد عبدالله فرماجوا، مع نظيره الإريتري اسياس افورقي مذكرة تفاهم تقضي بإعادة تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ويتكون الإتفاق من اربعة بنود. تلتزم اريتريا بموجبها بدعم وحدة وسيادة الصومال، والمساهمة في إستقراره. وأتفق الجانبان على تطبيع العلاقات الدبلوماسية، وتبادل السفراء بين البلدين، فضلاً عن التعاون في المجالات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والدفاع والأمن. وأخيراً تم الأتفاق على المساهمة في دعم الأمن والإستقرار في الإقليم.
تحولات جيوسياسية في القرن الإفريقي
تأتي هذه الزيارة التاريخية في إطار التحولات الجيوسياسية التي يشهدها القرن الإفريقي، والتي تزامنت مع وصول رئيس الوزراء الإثيوبي الى السلطة، ومبادرته على تنفيذ إتفاقية الجزائر لعام 2000 بشأن تسوية النزاع الحدودي مع أسمرا. الأمر الذي خلق معارضة داخل الإتلاف الحاكم في إثيوبيا، خاصة من قبل جبهة تحرير التغراي، الضلع المؤثر في الإتلاف الحاكم طيلة العقود الثلاثة الماضية. تلك الخطوة ساهمت في إذابة الجليد بين الطرفين ومهدت لعودة العلاقات الدبلوماسية، وإستئناف العلاقات التجارية ، وتبادل الزيارات بين قادة الدولتين.
وفي سياق العمل على تبرأة ذمة الحكومة الإريترية من إتهامات دعم الإرهاب، والإستفادة من التحولات السياسية المتسارعة في القرن الإفريقي، دعى الرئيس الإريتري افورقي نظيرة الصومالي فرماجوا لزيارة أسمرا. حيث لم تعد الأخيرة بعد إتفاقية السلام مع إديس ابابا وتطبيع العلاقات الدبلوماسية معها بحاجة لدعم الجماعات المسلحة في الصومال، لزيادة تكلفة وجود القوات الإثيوبية والأفريقية لحفظ السلام هناك. فضلا ان العقوبات الأممية المتلاحقة أثقلت كاهل النظام في أسمرا، ولم يعد بإمكانه تحمل أعباء الخنق الإقتصادي والعزلة السياسية المفروضة عليه.
وأثناء تواجده في أسمرا، دعى الرئيس الصومالي المجتمع الدولي الى رفع العقوبات الإقتصادية المفروضة على إريتريا. سبقة في هذا المنحى رئيس الوزراء الإثيوبي الذي قام بذات الأمر بعد عودة مباشرة من أسمرا في 9 من يوليو/تموز الماضي، حيث قدم عريضة يطلب بها رفع العقوبات عن إريتريا للأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غوتيرز، أثناء لقائهما في إديس ابابا.
وقد عبر غوتيرز عن أمله “بأن مجلس الأمن سيرفع العقوبات عن اريتريا قريباً، مضيفاً ان الأسباب التى دعت لفرض العقوبات إن لم تكن قائمة، من الطبيعي ان تكون العقوبات غير ذات معنى”.
من الجدير بالذكر، أن العقوبات الأممية المفروضة على إريتريا منذ 2009، كانت بسبب اتهامات المجتمع الدولي لإسمرا بزعزعة الأمن والأستقرار في الإقليم، بتقديمها الدعم المالي والعسكري لحركة الشباب الصومالية، ونزاعها الحدودي مع الجارة الجنوبية جيبوتي، فضلا عن دعمها لجميع الحركات المسلحة المناوئة لإثيوبيا تقريباً.

العقوبات الأممية المفروضة على إريتريا منذ 2009، كانت بسبب اتهامات المجتمع الدولي لإسمرا بزعزعة الأمن والأستقرار في الإقليم

العوائد المتوقعة
التغيرات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة بقيادة القيادة الجديد في إثيوبيا، خاصة إتفاقيات المصالحة وعودة العلاقات الدبلوماسية بين إريتريا وكل من الصومال وإثيوبيا، من المتوقع ان تسهم في رفع العقوبات الأممية عن النظام الإريتري، بما أن إديس أبابا كانت من تدفع بإتجاه إستمرار تلك العقوبات على إسمرا، مستخدمة علاقاتها الإقليمية والدولية، فمن المتوقع ان تساهم هذه المصالحات البينية، في إعادة إدماج النظام الإريتري في المنظومة الإقليمية لدول المنطقة الإيغاد، بعد إنسحابه منها، مما يجعله مساهما رئيسياً في الجهود والترتيبات الامنية والسياسية الداعمة لإستقرار الصومال.
وبناء على ذلك، يُتوقع ان يتحسّن الوضع الأمني في الصومال، نتيجة لخروج أريتريا من قائمة الداعمين لحركة شباب المجاهدين المسلحة، الأمر الذي قد يساعد الحكومة الصومالية الفيدرالية في إنجاح جهودها العسكرية لافتكاك الأراضي الشاسعة التى تسيطر عليها الحركة الآن خاصة في الأقاليم الوسطى والجنوبية، فضلا عن تأمين العاصمة التى تعاني من إختراقات أمنية نتيجة العمليات الإنتحارية المتكررة.
وبناء علىتنفيذ التفاهمات بين البلدين في إعادة العلاقات الدبلوماسية بينها والبدء في تبادل البعثات الدبلوماسية، قد زاروفد بقيادة وزير الخارجية الإيريتري عثمان صالح محمد ومستشار الرئيس الإريتري يامني غبريب مطلع أغسطس/ آب الماضي مقديشوا. وقد أشارت مصادر في فيلا صوماليا ان الوفد الإريتري يمهد لزيارة من المزمع ان يقوم بها الرئيس الأريتري أسياس افورقي لمقديشوا في قادم الأيام لتوطيع العلاقات بين البلدين.
قلق جيبوتي
تراقب جيبوتي بإهتمام تحولات القرن الإفريقي المتسارعة، لأنها المتضرر الأكبر إقتصادياً بعودة العلاقات التجارية بين إثيوبيا وإرتيريا ولو على المدى الطويل، بحكم تخلف البنية التحتية الإريترية. بيد ان دعاوي رفع العقوبات الأممية عن إريتريا خاصة الصومالية منها قد أثار حفيظة جيبوتي التى تمتلك قوات في الصومال ضمن بعثة القوات الإفريقية. حيث كتب وزير خارجيتها على موقع التدوين القصير “تويتر” بخصوص نزاعها مع جارتها الشمالية: “بأن جيبوتي أعربت عن موقفها بشكل واضح لمجلس الأمن، بخصوص النزاع الحدودي مع إريتريا وغيرها من الأمور العالقة، وستسلك الطرق الدبلوماسية لحل تلك الإشكاليات مرة واحدة وللأبد”.
وقد اصدرت السفارة الجيبوتية في الصومال بياناً تُعبر فيه عن إستيائها من دعوة الرئيس الصومالي لرفع العقوبات الأممية عن إريتريا، وقالت في البيان انه من الصعب تقبل ان الصومال كبلد شقيق لجيبوتي، يؤيد إريتريا التى تحتل ارضاً جيبوتية، وتنفي إحتجازها لمعتلقين جيبوتيين. دون ان ذكر نزاعها الحدودي مع إريتريا، ويدعوا لحل سلمي للخلاف.
وفي إجتماع للجنة مراقبة حظر السلاح في الصومال وإريتريا التابعة للأمم المتحدة الذي أنعقد في الـ 30 من يوليو/تموز الماضي دعى مندوب جيبوتي في اللجنة محمد سعيد دعالي، الى إستمرار العقوبات الأممية على إريتريا ما دامت الأخيرة ترفض الوساطة الأممية.

دعوة الرئيس الصومالي أثناء زيارته لأسمرة لرفع العقوبات الأممية عن النظام الإريتري أثارت حفيظة الجانب الجيبوتي بشكل كبير

و ذهب فريق الى وقوع الدبلوماسية الصومالية في مأزق دبلوماسي مع جيبوتي الحليف التقليدي لصومال، بمطالبتها برفع العقوبات الأممية عن إريتريا، دون الإشارة الى النزاع الحدودي بين الأخيرة وجيبوتي على مثلت دوميرا، وضرورة حله، أو محاولة التوسط بين الطرفين، للتوفيق بين مسعى إعادة تطبيع العلاقات مع أسمرا، وتجنب إثارة حفيظة الحليف الجيبوتي. إلا أن آخرون رأوا ان الدبلوماسية الصومالية لم تُسيء لجيبوتي في شيئ، وأن إعادة تطبيع العلاقات بين الطرفين سيساهم في دعم إستقرار الصومال، وعلى جيبوتي حل مشاكلها مع أسمرا، وعدم عتاب الصومال على تحركاته الدبلوماسية وخياراته السياسية.
تهدئة صومالية لجيبوتي
وقد قام الرئيس الصومالي محمد عبدالله فرماجوا بزيارةرسمية لجيبوتي في 16 من أغسطس/ أب الماضي في محاولة لإصلاح ولملمة سوء التفاهم بين الجانبين، جراء السخط الجيبوتي من الزيارة التي قام بها الأخير لأسمرة، وعودة العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين نهاية يوليو الماضي، الأمر الذي أثار حفيظة الجانب الجيبوتي بشكل كبير، خاصة دعوة الرئيس الصومالي إثناء زيارته لأسمرة لرفع العقوبات الأممية عن النظام الإريتري، دون الإشارة للنزاع الحدودي بين الأخيرة وأسمرة بخصوص مثلث دوميرا الجيبوتي، والتي أحتلته أسمرة أثناء تنظيم جيبوتي لمحادثات السلام الصومالية في بين الحكومة الصومالية بقيادة العقيد عبدالله يوسف وتحالف إعادة تحرير الصومال بقيادة الرئيس الصومالي السابق شريف شيخ احمد، الذي كان يتخذ من العاصمة الإيريترية مقراً لعملياته.
وفي المحصلة النهائية لكل تلك التحركات الدبلوماسية في منطقة القرن الإفريقي، وسيولة التحالفات المتشكلة في المنطقة مؤخراً، والتي تتجاوز مجرد كونها مصالحات أملتها الظروف والمصالح المحلية، الى صراع جيوسياسي دولي، يبدوا ان جيبوتي الخاسر الأكبر فيه الى حد هذه اللحظة.

تقارير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *