الإمارات ودول القرن الإفريقي: شراكة فاعلة


فريق التحرير

مقالات الكاتب

توصف علاقات دول القرن الإفريقي مع الإمارات بالتاريخية، فعلاوة على الجوار الجغرافي، ارتبط الجانبان بعلاقات تجارية ممتدة لقرون طويلة، وظلت شائعة بين قاطني المدن الساحلية في كلا المنطقتين. ويعيش حالياً في دولة الإمارات مئات الآلاف من مواطني بلدان القرن الإفريقي مثل؛ إثيوبيا والصومال والسودان وجيبوتي، ويشكلون مصدر اقتصاد ضخماً لبلدانهم عبر التحويلات المالية.
في الآونة الأخيرة، اتجهت دولة الإمارات العربية المتحدة للخروج من نمط العلاقات التجارية التقليدية، وبدأت في استثمار الموانئ في عدة دولٍ من القرن الإفريقي، ضمن السياسة الخارجية لدولة الإمارات المتنامية، والتي تتمثل أبرز ملامحها في توسيع التجارة ومكافحة الإرهاب واحتواء النفوذ الإقليمي الإيراني.

الإمارات وجيبوتي
من خلال موقعها الإستراتيجي الذي يقع في باب المندب الذي يربط بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، تقدم موانئ جيبوتي فرصاً مهمة لتكون مدخلاً في شرق إفريقيا. ومنذ عام 2006، تمكنت شركة دبي للموانئ من الاستثمار والاستفادة من منافذ جيبوتي، مما جعل ميناء درالية أحدث محطة للحاويات في إفريقيا قاطبة، مزودة بنظام فحص بوابات للمواد النشطة إشعاعياً.

في السنوات الأخيرة بدأ دور موانئ دبي بجيبوتي في التلاشي عندما رفضت الإمارات تسليم عبدالرحمن بوريه

لكن في السنوات الأخيرة، بدأ دور موانئ دبي في جيبوتي في التلاشي عندما رفضت الإمارات تسليم عبدالرحمن بوريه إلى جيبوتي، وهو رجل أعمال مطلوب لدى الحكومة الجيبوتية؛ حيث أنهت حكومة جيبوتي امتياز موانئ دبي في عام 2014. وبعدها بسنة، جمّدت الإمارات علاقاتها الدبلوماسية والتجارية والعسكرية مع جيبوتي بعد أن احتجت على إساءة معاملة أحد دبلوماسييها على أيدي كبار المسؤولين العسكريين في جيبوتي.

كما أن استضافة جيبوتي قاعدة عسكرية صينية وضعت أعمال شركة موانئ دبي في منافسة مع الاستثمار الصيني في ميناء الحاويات ذات السعة العالية (1.2 مليون حاوية). ومع بدء الصين تشييد خط للسكة الحديدية بين جبيوتي وإثيوبيا. بدا أنّ الجيبوتيين يفضلون إعطاء حق تشغيل ميناء دورالي إلى الصين، وبالتالي انسحبت الإمارات من إدارة ميناء جيبوتي، وأغلقت قنصليتها، وتخلت عن خطتها لإنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي. وفي المقابل، انتقلت إلى ميناء بربرة في صوماللاند.
وفي أوائل عام 2016، بعد وساطة من المملكة العربية السعودية، استأنفت جيبوتي والإمارات علاقاتهما الدبلوماسية، وعلى الرغم من الإعلان الرسمي عن الانسحاب من إدارة الموانئ، لا تزال دبي تملك استثمارات كبيرة وأعمالاً في ميناء دورالي للحاويات، وكذلك في ميناء النفط التي تديرها شركة Horizon، وهي شركة شقيقة لشركة موانئ دبي.

الإمارات وإريتريا
تعود العلاقات الإماراتية الإريترية الى فترة الكفاح الإريتري من أجل الإستقلال، فقد دعمت الإمارات إريتريا من خلال صندوق أبو ظبي للتنمية، ولا تزال واحدة من أكبر خمس دول مانحة للمساعدات إلى إريتريا. وفي عام 1993 افتتحت إريتريا سفارة في الإمارات العربية المتحدة، وبعد عشر سنوات افتتحت قنصلية في دبي. ومنذ ذلك الحين ازدادت التجارة بين البلدين بشكل كبير، كما أنشأت إريتريا غرفة تجارة في الإمارات تهدف إلى تعزيز التجارة بين البلدين. ويقدر أنّ هناك أكثر من 5000 إريتري يعيشون في دولة الإمارات العربية المتحدة.
ومع الأزمة اليمينة وبداية عمليات استعادة الشرعية في اليمن، اختارت إريتريا أن تكون بمثابة قاعدة انطلاق للحملة التي يقودها التحالف السعودي ضد الحوثيين. وأتاحت إريتريا مجالها الجوي والبحري للتحالف، ليس هذا فسحب؛ بل شاركت كذلك بتوفير قوات برية للتحالف السعودي.

ورغم ما تتسمه سياسة إريتريا الخارجية من تذبذب وتأَرْجح بين مصالح متناقضة، وتحديداً في احتفاظها بعلاقات قريبة من كل من إيران وإسرائيل والسعودية، فإنّ بعض المراقبين يفسرون ذلك بأن العامل الرئيسي لهذه التحالفات المتناقضة متعلق بالحصار والعزلة الدبلوماسية التي تشهدها البلاد لأكثر من عقد من الزمن من قبل جيرانها والمجتمع الدولي الذي يفرض عليها العقوبات بسبب دورها الداعم للحركات المتشددة في الصومال، وصراعها الحدودي مع إثيوبيا وجيبوتي.
ويبدو أنّ إريتريا من خلال مشاركتها في عمليات التحالف السعودي، لم تعزز من مكانتها الدبلوماسية مع دول مجلس التعاون الخليجي فحسب، بل حصلت على مساعدات عينية من دول الخليج. كما أنها، في جانب آخر، وقعّت مع الإمارات عقد إيجار لمدة 30 عاماً يضمن استخدامها لميناء عصب لإقامة قاعة عسكرية فيه.

الإمارات وإثيوبيا
قفزَ إجمالي التجارة بين إثيوبيا والإمارات في العقد الماضي من 123 مليون دولار إلى 935 مليون دولار. وفي نفس الفترة الزمنية، زادت صادرات إثيوبيا إلىالإمارات تسعة أضعاف، كما حققت وارداتها من الإمارات ثمانية أضعاف.

وفي منتصف الشهر الجاري، أعلنت الإمارات أنها ستقوم بإيداع مليار دولار في البنك المركزي الإثيوبي للتخفيف من العجز الحالي في العملة الأجنبية. وجرى إعلان ذلك في الوقت خلال زيارة ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى اثيوبيا، ويعد المبلغ المذكور جزءاً من تعهّد إماراتي بتقديم مساعدات واستثمارات بقيمة ثلاثة مليارات دولار في إثيوبيا.

الإمارات والصومال
في أعقاب انهيار الدولة الصومالية بادرت الإمارات في الاهتمام بجوانب العمل الإنساني في الصومال، كما شاركت دولة الإمارات التدخل الأممي في الصومال في عام 1993، ضمن البعثة الأممية حين سقط الجنوب الصومالي في وحل الحروب والمجاعات.
واستمرت الإمارات في أدوارها الإنسانية والتنموية في الصومال طيلة العقود الثلاثة الماضية، من خلال هيئات مثل الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة خليفة بن زايد. كما تنامت قوة العلاقة التجارية بين البلدين، فأصبحت الصومال شريكاً تجارياً رئيسياً للإمارات، حيث تشكل نسبة الواردات الصومالية القادمة من الإمارات حوالي 50% من مجموع الواردات الصومالية، وأبرزها منتجات البترول والسلع الاستهلاكية.

يعيش نحو مليون صومالي في دول مجلس التعاون الخليجي وواحدة من أكبر التجمعات السكانية الصومالية تقيم في الإمارات

ويعيش ما يقرب من مليون صومالي في دول مجلس التعاون الخليجي، وواحدة من أكبر التجمعات السكانية الصومالية تقيم في الإمارات، وبينهم ناشطون سياسيون ورجال أعمال بارزون في الصومال. وتشكل تحويلاتهم المالية مصدر دخل مهمّاً في الاقتصاد المحلي.
وفي أوائل العام 2018، جرى إعلان استثمار شركة دبي للموانئ العالمية في ميناء بربرة، في صوماللاند، في أعقاب خلاف الإمارات الدبلوماسي مع جيبوتي. وعلى عكس “عصب” الإريتري، التي استأجرتها الإمارات لأغراض عسكرية، تم تأجير بربرة لأسباب تجارية.

الإمارات وصوماللاند
دخلت موانئ دبي العالمية الاتفاق مع جمهورية صوماللاند، المعلنة من طرف واحد، في اتفاقية تقضي بتشغيل ميناء بربرة الإستراتيجي لمدة ثلاثين سنة، وفق اتفاقية ثلاثية بين شركة موانىء دبي وصوماللاند وإثيوبيا،  وهو ما أثار حفيظة الحكومة الصومالية، وأسمته “خرقاً للسيادة الصومالية”، واتخذت خطوات تصعيدية تهدف إلى عرقلة اتفاقية ميناء بربرة، بالرغم من وجود تفاهم سابق بين طرفي صوماللاند والحكومة الصومالية في جيبوتي عام 2014 ينص على عدم عرقلة المشاريع الاقتصادية والتنموية التي تبرمها صوماللاند وفق ما تراه مصلحة لها.

صوت مجلس البرلمان الصومالي ضد الاتفاقية، وأدلى رئيس الحكومة الصومالية بتصريحات بأنّ الاتفاقية “غير شرعية”، لكن ذلك لم يغير من الواقع شيئاً، وظلت قراراً على ورق؛ فالحكومة الصومالية ومجالسها ليس لديها سيادة على صوماللاند إلا بصفة اسمية، منذ أن أعلنت الأخيرة عن رجوعها عن الوحدة التي خاضت مع الصومال بعد الاستقلال عام 1960. ورغم أنّ إعلان صوماللاند استقلالها يواجه رفضاً بالاعتراف من المجتمع الدولي الذي يشترط أن يبدأ الاعتراف من جهة الحكومة الأم، فإنّ دول العالم ومنظماته تتعامل مع صوماللاند كدولة الأمر الواقع.
في غضون ذلك، يرى الكثير من المراقبين، أنّ الإمارات تميل إلى  التوجه نحو صوماللاند؛ إذ أعلنت مؤخراً عن قبولها الجواز الصوماللاندي في الدخول إلى أراضيها، وبذلك تكون من ضمن الدول القلّة حول العالم التي تقبل الجواز الصوماللاندي.

وحسبما يرى الكاتب ليبان محمد، فإن “أهمية العلاقات الإماراتية مع صوماللاند تبرز كخيار إستراتيجي لتعزيز نفوذها السياسي ودورها الاقتصادي والتجاري في منطقة القرن الإفريقي، خاصة بعد احتمالية خسارة شركة موانئ دبي لعقد تشغيل ميناء حاويات دورالي في جيبوتي، بعد قرار حكومة جيبوتي إلغاء الاتفاقية مع شركة موانئ دبي من طرف واحد، وبعد تعذر اتفاق الطرفين في حل خلافاتهما عن طريق المحاكم البريطانية، ما يجعل ميناء بربرة، في صوماللاند، البديل الأمثل والأكثر إستراتجيية في خطة الشركة الإماراتية الطموحة لتوسيع شبكة استثماراتها في إفريقيا، لأنّ بربرة مدخل مهمّ في حركة التجارة لنقل واستيراد السلع في شرق إفريقيا”.

فرص التجارة والاستثمار تزداد بشكل مطرد بسبب حجم سكان القرن البالغ 226 مليون نسمة

ويعتقد ليبان أنّ التوتر الدبلوماسي الذي شهدته الإمارات والصومال، “يدفع الى تعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية مع صوماللاند؛ حيث بادرت الأخيرة إلى الاصطاف مع الإمارات وعمليات التحالف العربي في استعادة الشرعية في اليمن، وعززت الدور الإماراتي في صوماللاند من طريق منحها قاعدة عسكرية في بربرة. وتستثمر حكومة صوماللاند كدولة الأمر الواقع في علاقاتها مع الإمارات، في دفع جهودها للحصول على الاعتراف الدولي المتعثر طيلة العقود الثلاثة الماضية، وتسعى، كذلك، للاستفادة من علاقات الإمارات الدولية، ونفوذها في العديد من الدول المهمة في السياسة العالمية”.
وفيما يتعلق بالقرن الإفريقي ككل، فإنّ فرص التجارة والاستثمار تزداد بشكل مطرد بسبب حجم سكان القرن البالغ 226 مليون نسمة، ويتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 400 مليون بحلول عام 2050. وهذا سيؤدّي إلى ارتفاع في الدخل وطفرة في زيادة أعداد شباب هذه المنطقة الواعدة.

تقارير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *