إشكالية الثقافة الشفاهية وعدم التدوين لدى المجتمع الصومالي


ليبان مجمد

مقالات الكاتب

ظلت ثقافة الكتابة والتدوين محدودة وضعيفة وسط المجتمع الصومالي، بسبب سيطرة الثقافة الشفهية، حيث ظلت ثقافة الكتابة والتدوين مقصورة على نفر من رجال الطرق الصوفية، الذين تركوا دون غيرهم إرثاً معرفياً وثقافياً، بتصنيفهم العديد من الكتب والمؤلفات باللغة العربية وفي شتى العلوم الدينية و الأدبية.
انتشار الأمية بشكل واسع وبداوة المجتمع الصومالي وما تميز به من قلة الاستقرار وكثرة الترحال بحثاً عن الماء والكلاء والمراعي الصالحة لتربية الماشية فضلا عن محدودية إنتشار اللغة العربية، وتأخر كتابة اللغة الصومالية، كلها أسباب ساهمت في تفشي حالة اللاكتابة وسط المجتمع، واستحسان الثقافة الشفهية في تناقل الحكايات والمرويات، بعيداً عن عناء الكتابة ومشقة التدوين.
إستحكام وطغيان ثقافة عدم الكتابة في المجتمع وخاصة بين الطبقة المثقفة ما هو إلا امتداد وانعكاس لأزمة القراءة، الأمر الذي أدى الى جعل أحداث وتاريخ المحتمع الصومالي لفترة طويلة غير مدون وموثق بصورة تسمح للباحثين بدراسة تاريخ المجتمع وتفاعلاته خلال الحقب التّاريخبة، إلا عن طريق الرواية الشفهية لأبنائه، ابتداء من حروب الحبشة بقيادة المناضل أحمد جري -بغضّ النظر عن الخلاف القائم حول صوماليته- ووصولاً إلى دخول الرجل الأبيض ونضال السيد محمد عبدالله حسن قائد حركة التحرر الوطني ضد الاستعمار البريطاني، الأمر الذي ساهم في ضياع جزء مهم من تراثنا وتاريخنا، نتيجةَ لعدم الكتابة وإهمال التدوين من قبل من كانوا جزءً فاعلاً في تشكيل هذا التاريخ بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات.
ويمكن إعتبار تأخر كتابة اللغة الصومالية كأحد الأسباب التى أدت الى إشكالية ضعف الكتابة والتدوين وسط المجتمع، حيث أقر مشروع كتابة اللغة الصومالية بالأحرف اللاتينية حديثاً من قبل النظام العسكري في بداية السبعينيات من القرن الماضي، حيث إستخدم الصوماليون على نطاق ضيق اللغة العربية كوسيلة للتدوين من قبل المثقفين خاصة طبقة رجال الدين.
حالة اللاكتابة هذه باتت لها الكلمة العليا على الوضع الثقافي والمعرفي لدي المجتمع الصومالي، فالسواد الأعظم من مدعي الثقافة باتوا لا يرونها صفة تدعوا للخجل _بل يستحسنونها_! لأن المجتمع غير مهتم بقضية القراءة والكتابة أصلاً، وذلك لاعتياده الطويل على الشفاهة في تناقل السرديات و المعلومات، فضلاً عن أنّ الإنتاج العلمي والمعرفي الشيحيح من قبل تلك الفئة ليس أمراً قيد البحث والنقاش، مما يعني ان ألقاباً مثل البروفسور، والباحث، والشيخ العلامة، المكتسبة عبثاً، ومن دون مساهمة أصحاب تلك الألقاب في إثراء المعرفة، ليست مهددة بخطر إعادة التقييم والمراجعة.
أذكر منذ فترة ليست بالبعيدة زيارة أحد أشهر المشايخ المشهورين على الساحة الدعوية إلى هرجيسا حاضرة “صوماليلاند”، سميت من قبل منظميها بالجولة الدعوية لتنشيط مسيرة الدعوة في البلاد. ما يهمنا في الأمر دون الكثير من التفاصيل المملة، أنني التقيت صدفة بأحد الأصدقاء من جماعة الداعية مهرولاً، وبعد التحية والسلام سألته إلى أين العجلة؟ أجابني بأن الشيخ الدكتور العلامة الفلاني سيلقي الليلة محاضرة في أحد المساجد، وأضاف مستغرباً ألم تسمع بخبر قدوم الشيخ؟ إجابتي كانت بالنفيعمداً، بيد ان الأمر الذي أثار حنقي وحفيظتي ولم أبتلعه هو إلباس لقب “العلامة” لذلك الشيخ، سألت صديقي مستفسراً لعل لشيخكم العلامة هذا مصنفات في بعض العلوم الدينية ان لم يكن جلها، فهلا دّليتني عليها لأقرأها! ليستحق لقب العلامة من قبلكم. وبعد اضطراب أقرب للتأتأة، قال: “سأعطيك هارد دسك فيه جميع محاضراته وندواته!”
ابتسمت قائلاً: “لست في حوجة لمحاضراته، وإنما أردت التأكد من وجود مصنفات له، ويبدوا لي من كلامك بأن حبركم الأعظم هذا لم يحاول بعد التفكير في هجر دور الحافظ المردد”.
تمحور المجتمع حول الثقافة الشفهية، واعتماد القيل والقال عند العامة، والاستكانة لإسلوب الخطب والمحاضرات من قبل الطبقة المثقفة، وخاصة رجال الدين ساهم في تنامي ظاهرة اللاكتابة عند المثقف الصومالي. مع أنها لا تتناسب مع القدرات والإمكانيات المتوفرة على الساحة الثقافية الصومالية، فضلا عن أن بيئة تكوين المثقف والشيخ تعتمد على كونه مجرد إسطوانة جاهزة للتشغيل وترديد ما كتب في صفحات الكتب.
المتأمل لواقع المجتمع الصومالي وتاريخه منذ القدم؛ يلاحظ أن شيوع وإنتشار ظاهرة اللاكتابة وعدم التويثق ساهمت في صناعة تاريخنا المثير للجدل، المستند في معظمه إلى مجموعة من الروايات المستقاة من الذاكرة الشفاهية السائدة والمتداولة بيننا منذ آلاف السنين، أكثرها محاطة ومغلفة بهالة من القدسية الزائفة والمقصودة في الغالب، وذلك لإكسابها مناعة ضد النقد والتساؤلات المنطقية المطروحة بقوة حول مدى صحة ومعقولية تلك المرويات.
أبرز مثال على تلك الروايات الشفهية المتواترة وموصولة السند حسب مؤيديها حكاية عروبة القبائل الصومالية الوهمية، المستندة إلى مجموعة من الأساطير معتلة المتن، والتى تنتظر بدورها التفنيد من خلال بحث علمي، يعيد الأمور الى نصابها التاريخي والطبيعي، بدل التمسّح بالعروبة و هجر محيطنا الجغرافي والثقافي والإثني الإفريقي.
إستمرار ارتباط مثقفي المجتمع بالثقافة الشفهية في عصر ثورة المعرفة والمعلوماتبالرغم من أهمية في سياقه الطبيعي امر يدعوا للشفقة، في تناول الأحداث والقضايا، مما يؤدّي لإندثار النقاشات سريعاً بعد إنتهاء جلسات تلك الفئة المتثاقفة. بالرغم من التطور الملحوظ الذي طرأ على درجة الوعي الثقافي و الإجتماعي والفكري للمجتمع مؤخراً.
ما يدعوا للتفاؤل و إنتشار معارض الكتب بشكل متزايد مؤخراً، حيث تقدم تلك التجمعات الثقافية عشرات العناوين كل عام في مجالات مختلفة، مما أحدث طفرة يمكن ملاحظتها على الوضع الثفافي والمعرفي في المجتمع، خاصة لدى فئة الشباب والشابات التي لديها إستعداد للخوض في غمار الكتابة والتدوين مع شح زادهم المعرفي في كثير من الأحيان، الى إقتصار أغلب محاولات التدوين تلك بشكل عام على تناول التدوين في الروايات والمواضيع التاريخية المختلفة مثل سير بعض الشخصيات السياسية والأدبية.

هذه الحالة غير السوية ساهمت في جعل الكتابة عن الشأن الصومالي من قبل الصوماليين أنفسهم شحيحةً ونادرةً للغاية، بالرغم من كثرة القضايا التى تحتاج إلى دراسة وبحث.
وانطلاقاً من المنطق الفيزيائي القائل “أن الكون لا يقبل الفراغ”، كان المجال خالياً ومفتوحاً على مصراعيه للغرباء من عرب وعجم بأخذ زمام المبادرة محاولين تقديم كتابات عن الشأن الصومالي تتسم في غالبها بقدر كبير من التشويه وعدم الدقة، لعدم معرفتهم ودرايتهم بالشأن الصومالي.
أخيراً وعلى شاكلة “أهل مكة أدرى بشعابها ومسالكها”، حان الأوان للمثقفين الصوماليين باختلاف توجهاتنا وانتماءاتنا الفكرية بالكتابة والتدين عن شوون الصومالين ومشاكلهم وتقديمرويتهم ومقارباتهم لأوضاعهم، لأنهم من يعيش يوميات هذا الواقع المعقد والمأزوم.

مقالات رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *